حقل ألغام

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عندما نتحدث عن قانون الأحوال الشخصية «المُرتَقَب»، والمتوقَّع مناقشته قريبًا في مجلس النواب، يجب علينا الإقرار بأنه أكثر الملفات الاجتماعية حساسية وتعقيدًا، نظرًا لارتباطه المباشر بجوهر العلاقات الأسرية ومستقبل الأجيال القادمة.

ورغم تعاقب المجالس النيابية والحكومات، وتباين التوجهات السياسية، إلا أن هذا القانون ظل حبيس «التردد» و«الأدراج» لعقود، ولم يستطع أحد الاقتراب منه، نظرًا لحساسيته المبالَغ فيها، والقناعة التي ترسَّخت لدى الكثيرين بأنه «مغامرة محفوفة بالمخاطر»، في ظل «إحصائيات مرعبة» لحالات طلاق مرعبة وغير مسبوقة.

بالطبع، يحتاج المجتمع إلى مسار جديد ومختلف تمامًا، لتفادي الوقوع في فخ «حقل الألغام»، الموجود في مواد القانون الحالي، في ظل حقوق متشابكة، ما بين المرأة والرجل، ومصلحة الأطفال، وذلك بالطبع يتطلب إرادة تشريعية جادة وحاسمة، لإعادة صياغته كليًّا، بما يعكس التحولات الاجتماعية. 

اللافت أنه على مدار سنوات، تم إرجاء سَنِّ القانون، نظرًا لوجود حسابات سياسية واجتماعية معقدة، سواء أكانت في الخوف من إثارة الجدل، أو فقدان تأييد فئات معينة، أو لعدم الاصطدام بالمؤسسة الدينية، مما جعل هذا الملف بمثابة «منطقة شبه محرمة»، يحظر الاقتراب منها!

خلال الفترة الأخيرة تابعنا العديد من المقترحات، بعضها يُجافي العقل والمنطق والدين والأعراف والتقاليد، فيما يغلب على كثير منها الطابع النظري وغير الواقعي، وآراء منحازة تميل إلى ترجيح كفة طرف على حساب الآخر، من دون نظرة مستقبلية... لتبقى الحلول المطروحة حتى الآن مجرد انحيازات منفصلة عن الواقع.

لذلك، نتصور أن قانون الأحوال الشخصية المُنتَظَر، يجب أن يُعالج القضايا الشائكة والخلافية من جذورها، مثل «الرؤية» و«الاستضافة» و«سن الحضانة» و«النفقة» و«المسكن» و«تبديد قائمة المنقولات»... وغيرها، مع الوضع بعين الاعتبار وجود انقسام مجتمعي حقيقي، ما بين آباء يشعرون بمرارة الظلم والإجحاف، في مقابل كثير من النساء يعانين من تعقيدات إجراءات التقاضي أو في تنفيذ الأحكام.

إذن، يجب وضع حلول عادلة ومتوازنة لتلك القضايا الخلافية «المُزمنة» ـ التي تُركت على مدار عقود، لتستفحل وتزداد تأزمًا، وتتحول إلى صراع قانوني واجتماعي يهدد الاستقرار ـ والابتعاد تمامًا عن أي مقترح أو تصور يُدار بمنطق الانحياز غير المبَرَّر أو الاستقطاب الحاد، وصولًا إلى صياغة رؤية شاملة تُراعي مصلحة الأسرة والمجتمع، وتجَنُّب تشريعٍ مجتزأ لا يعالج الأزمة من جذورها.

أخيرًا.. إن تشريع القوانين لا يمكن أن يكون استجابة سريعة و«مستعجلة»، نتيجة حوادث عارضة، بل يجب أن يُجَسِّد رؤية شاملة لمعالجة واقع معقَّد، فالقانون الذي لا يحقق شعورًا عامًا بالعدالة والإنصاف ـ حتى وإن بدا متماسكًا من الناحية النظرية ـ يظل هشًّا في تطبيقه، ومصدرًا دائمًا للنزاع، بدلًا من أن يكون أداة للحل.

فصل الخطاب:

يقول «جورج برنارد شو»: «المجادلة مع الأغبياء تشبه محاولة التخلص من بعوضة وقفت على خدك.. قد تتخلص منها أو لا، لكن في كلتا الحالتين سينتهي بك الأمر أن تصفع نفسك».

 

[email protected]

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق