الزاد
الجمعة 17/أبريل/2026 - 11:20 ص 4/17/2026 11:20:09 AM
نحن نعيش زمن ندرة الافكار، وندرة فى المفكرين ، وندرة فى الصحفى و الباحث، و الموثق، و ندرة فى صناعة المحتوى الحقيقى و الجاد ، و بالتالى لم تعد الفكرة مجرد جهد إبداعي، بل أصبحت غنيمة يسعى البعض لاقتناصها بأسرع الطرق. وبين صحفي يجتهد ليقدم مادة حقيقية، وآخرين يلتقطونها جاهزة لإعادة تقديمها في صورة برنامج أو عمل فني، أو توثيقى تضيع الحدود بين الإلهام والسطو، ويصبح “صائد المحتوى” بطلًا مزيفًا في مشهد يفتقد إلى أبسط قواعد الإنصاف.
لم يعد مصطلح “صائدو المحتوى” سوى صياغة مهذبة لظاهرة أكثر قسوة ووضوحًا" سرقة الأفكار". حكاية تبدأ بموضوع صحفي كُتب بعرق وجهد وبحث صاحبه، وتنتهي على شاشة برنامج أو داخل مشهد سينمائي أو توثيقى أو حتى في كلمات أغنية، كلمات أغنية ؟! ..نعم كلمات أغنية، دون إشارة أو تقدير أو حق. المفارقة ليست فقط في النقل، بل في التطابق؛ نفس الأفكار، نفس الحكايات، نفس الضيوف، بل أحيانًا نفس المفردات، وكأن النص الأصلي لم يُقرأ بل نُسخ.
الأكثر إثارة للدهشة أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالاقتباس غير المشروع، بل يمارسون دور “المنظّر”، متحدثين عن الإبداع والتجديد، وكأنهم أصحاب السبق والابتكار. وهنا تتحول الأزمة من مجرد سرقة إلى إعادة تسويق الفكرة المسروقة باعتبارها فتحًا جديدًا، مستندين إلى شبكة علاقات قادرة على الترويج والدعم والإنتاج.
و بعيدا عن النشر الصحفى أو حتى عبر وسائل التواصل الاجتماعى، وصل بنا الحال إلى أن نتجنب الحديث عن أفكارنا، صحفية كانت أو غير صحفية، حتى في الدوائر القريبة، ليس حرصًا على الغموض، بل خوفًا من أن تتحول هذه الأفكار إلى “مشروعات جاهزة” في يد الآخرين. لم يعد الأمر خفيًا أو يُدار في الظل، بل أصبح “عينى عينك”، بلا حرج ولا حتى محاولة للتجميل، وكأن سرقة الأفكار تحولت من فعل مُدان إلى سلوك عادى يجد من يبرره ويدعمه. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، حين يفقد صاحب الفكرة شعوره بالأمان، فيفضل الصمت على المشاركة، ويتراجع الإبداع لصالح النقل، وتخسر الساحة أصواتًا كان يمكن أن تصنع الفارق.
المشهد يطرح سؤالًا مشروعًا: أين حق الصحفي؟ ولماذا لا يُعامل ما يقدمه من محتوى باعتباره ملكية فكرية لها ما يحميها، مثلما هو الحال في حقوق الأداء العلني للمؤلفين والملحنين؟ الواقع يقول إن نسبة كبيرة من البرامج تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على ما يُنشر في الصحف، ومع ذلك لا يعود لصاحب الفكرة سوى “سعادة معنوية” بأن عمله لفت الانتباه ، الحقيقة أن هذه السعادة تخفي خللًا كبيرًا في منظومة حماية الحقوق. و أنا أعتب على كل من يفرح بمشاهدة فكرة له على شاشة من الشاشات، لانه أرتضى أن يكون مجرد هامش أو مسوق للافكار مثل المسوق العقارى، مع الاختلاف ان المسوق العقارى يحصل على نسبته، و النسبة هنا التى اقصدها ليست بالضرورة مال، لكنها من الممكن ان تكون عبارة شكر أو اشادة .
. فالصحفي يجد أفكاره تتحول إلى أعمال كاملة دون أن يُستأذن أو يُنسب إليه الفضل، بينما يظهر “صائد المحتوى” في صورة البطل، فقط لأنه يمتلك أدوات الوصول والترويج.
إن مواجهة هذه الظاهرة لم تعد ترفًا، بل ضرورة. حماية الفكرة ليست فقط إنصافًا لصاحبها، بل ضمان لاستمرار الإبداع الحقيقي. فحين يشعر المبدع أن مجهوده عرضة للنهب، يفقد الحافز، وتتحول الساحة إلى سوق مفتوح للنسخ لا للإبداع.
نحن في زمن يشهد مئات المنصات و يشهد ايضا ندرة فى أصحاب الأفكار، يبقى الفارق الحقيقي بين من يصنع المحتوى ومن يسرقه، هو الضمير… وما أحوجنا اليوم إلى ضمير يحمي الكلمة قبل أن يحميها القانون.
وربما آن الأوان أن ننتقل من مرحلة الشكوى إلى مرحلة الفعل، عبر توثيق الأفكار الصحفية بشكل رسمي يضمن لصاحبها حقه. فالفكرة لم تعد مجرد كلمات على ورق، بل أصبحت أصلًا من أصول الصناعة، يحتاج إلى حماية حقيقية تواكب هذا العصر الرقمي.
القضية أكبر من مجرد سرقة فكرة، إنها اختبار حقيقي لقيمة الإبداع في مجتمعنا. فإما أن ننتصر لحقوق أصحاب العقول ونؤسس لمنظومة تحميهم، أو نترك الساحة لمن يجيدون الاصطياد لا الابتكار. وبين هذا وذاك، سيظل السؤال قائمًا: هل نريد صناعة محتوى حقيقية… أم مجرد إعادة تدوير لما يكتبه الآخرون؟

0 تعليق