«عاصفة جيهان» .. شدة الغربال أم عملية تطهير؟

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى لحظة تبدو وكأنها إعادة تشكيل صامتة لخريطة السلطة الثقافية، تشهد وزارة الثقافة خلال الأيام الأخيرة حالة غير مسبوقة من الحراك الإدارى، بعد قرارات اتخذتها الدكتورة جيهان زكى وزيرة الثقافة لإعادة ترتيب عدد من المواقع القيادية داخل الهيئات والقطاعات التابعة للوزارة. وهى خطوة قرأها فريق من المتابعين باعتبارها محاولة جادة لكسر حالة الجمود التى تراكمت عبر سنوات طويلة، بينما رآها فريق آخر بوصفها مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل البنية ذاتها، دون مساس بجوهر التكوين أو إعادة صياغة حقيقية لمنظومة القرار.

وتأتى هذه القرارات الجديدة محملة بمفارقة لافتة؛ إذ جمعت بين الإبقاء على بعض القيادات التى ارتبط حضورها بالمشهد الإدارى السابق، وبين الدفع بأسماء أخرى إلى مواقع ذات تأثير مباشر فى صناعة القرار الثقافى. هذا المزج بين القديم والجديد لم يمر مرور الكرام داخل الوسط الثقافى، بل فجر نقاشًا واسعًا حول ما إذا كانت هذه التغييرات تمثل بالفعل بداية مسار إصلاحى حقيقى فى البنية الإدارية، أم أنها لا تعدو كونها «شدة الغربال الجديد» التى كثيرًا ما تصاحب قدوم أى وزير جديد، فتحدث حركة سطحية دون أن تمس الطبقات العميقة للمنظومة.

وفى هذا السياق، تتكاثر الأسئلة التى يطرحها المتابعون والمشتغلون بالشأن الثقافى حول طبيعة المرحلة المقبلة؛ هل تستهدف هذه التحولات إحداث نقلة نوعية فى الأداء الثقافى بمفهومه الشامل، من إنتاج وتوزيع وتوسيع دوائر التلقي؟ أم أنها مجرد عملية ضبط إدارى تقليدية تهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق دون تغيير حقيقى فى فلسفة العمل؟ والأهم من ذلك؛ هل ستنعكس هذه التغييرات على قطاعات حساسة مثل المسرح وقصور الثقافة، تلك التى تمس الجمهور مباشرة وتشكل أحد أهم جسور التواصل بين الدولة والمجتمع؟

ولا يقف الجدل عند حدود البنية التنظيمية، بل يمتد إلى تساؤل أعمق يتعلق بقدرة القيادات الجديدة والقائمة على مواجهة التحديات الراهنة. فالمشهد الثقافى اليوم لم يعد كما كان قبل سنوات؛ إذ بات مطالبًا بمواكبة تطور سريع فى أدوات الإنتاج، وبالتعامل مع جمهور متغير الذائقة، فضلًا عن تحديات التمويل وتوسيع قاعدة الانتشار. ومن ثم، فإن الحديث عن تغيير المواقع القيادية لا ينفصل عن سؤال الكفاءة والقدرة على تحويل القرار الإدارى إلى فعل ثقافى حى وفاعل.

لقد أعاد هذا الحراك الإدارى، المتمثل فى تغيير بعض الشخصيات المؤثرة داخل الوزارة، إلى الواجهة حديثًا قديمًا ظل يتردد فى الكواليس الثقافية حول ما يعرف بشبكات النفوذ التى تشكلت داخل بعض قطاعات الوزارة عبر سنوات طويلة. وهى شبكات، بحسب ما يتداوله العاملون فى الوسط، لم تكن مجرد علاقات عابرة، بل تشابكات إدارية ومهنية معقدة جعلت من بعض المواقع مفاصل حساسة فى صناعة القرار الثقافى.

وفى سياق هذا الجدل، تردد داخل الكواليس أن بعض الوزراء السابقين قد ترددوا فى اتخاذ خطوات جذرية مماثلة لتلك التى اتخذتها جيهان زكى، بعدما اكتشفوا أن بعض القيادات ترتبط ببعضها البعض كحبات عقد واحد، تمسك بخيوط دقيقة تمتد إلى ملفات شديدة الحساسية داخل قطاعات متعددة. وقد كان التخوف الدائم من أن يؤدى إقصاء هذه الشبكات دفعة واحدة إلى ارتباك إدارى واسع، أو تعطيل لمشروعات قائمة، أو حتى شلل مؤقت فى بعض المسارات الثقافية الحيوية حائلًا دون الاقتراب منها.

وفى المحصلة، تبدو هذه التغييرات وكأنها تمثل ملامح مرحلة لا تزال قيد التشكل داخل وزارة الثقافة، مرحلة تتأرجح بين طموح التغيير ومخاوف التفكيك المفاجئ. فنتائجها الفعلية لا تزال مرهونة بمدى قدرة القيادات الجديدة والقائمة على تحويل هذه التحركات الإدارية إلى سياسات واضحة، قابلة للقياس، وذات أثر ملموس على أرض الواقع، بما يواكب تطلعات الوسط الثقافى من جهة، وتوقعات الجمهور من جهة أخرى. وفى كل الأحوال، فإن الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف حقيقة ما يجرى فى العمق الإدارى للوزارة، وما إذا كانت الوزيرة جيهان زكى ستنجح فى تفكيك لوبيات الاستحواذ وإعادة توزيع مراكز النفوذ داخل المؤسسة، أم أن «حبات العقد» ستظل متماسكة رغم كل محاولات التفكيك.

وفى خلفية هذا المشهد المعقد، تقف ملفات ثقيلة تنتظر الحسم، وعلى رأسها مشروعات ترميم البنية التحتية للمبانى التابعة لوزارة الثقافة، وبخاصة قصور الثقافة التى تمثل شرايين العمل الثقافى فى المحافظات. فقد تم تخصيص اعتمادات مالية لترميم عدد من هذه القصور، من بينها قصر ثقافة أسوان وقصر ثقافة أبوقرقاص وقصر ثقافة الفيوم وقصر ثقافة الأقصر. وكان وزير الثقافة السابق قد تابع بعض هذه العمليات ميدانيًا، حيث قام بزيارته الأخيرة لقصر ثقافة أسوان لمتابعة سير أعمال التطوير. ومع ذلك، لا تزال هناك قصور أخرى تنتظر دورها فى خطة الترميم، وعلى رأسها قصر ثقافة دمياط، المغلق منذ أربع سنوات فى انتظار توفير الاعتمادات المالية اللازمة لإعادة تأهيله وفتحه أمام أهل المدينة.

وفى السياق ذاته، يظل أمام الوزيرة ملف بالغ الحساسية يتعلق بإعادة النظر فى وضع بيوت الثقافة المؤجرة، خاصة بعد أن أوصت هيئة مفوضى الدولة بمحكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة بإلغاء قرار مجلس إدارة الهيئة العامة لقصور الثقافة، الذى يقضى بإخلاء بيوت ومكتبات وزارة الثقافة المؤجرة من العاملين. مع ما يترتب على ذلك من آثار قانونية وإدارية، فى مقدمتها إعادة العاملين إلى مقرات عملهم السابقة، وهو ما يفتح بابًا واسعًا لإعادة تقييم هذا الملف الشائك.

ومن ناحية أخرى، فقد شملت قرارات الدكتورة جيهان زكى وزيرة الثقافة حركة تغييرات مهمة، تمثلت فى تجديد تكليف السفير عمر أحمد سليم مستشارًا لوزير الثقافة للشؤون الخارجية، وندب الدكتور محمود حامد صالح رئيسًا لقطاع الفنون التشكيلية، وندب هشام محمد عطوة رئيسًا لمجلس إدارة الهيئة العامة لقصور الثقافة، وندب الدكتور أيمن حافظ الشيوى رئيسًا لقطاع المسرح، وندب الدكتور محمد نصر الدين الجبالى مديرًا للمركز القومى للترجمة، إضافة إلى ندب اللواء خالد عوض اللبان مساعدًا لوزير الثقافة للشؤون الاقتصادية وتنمية الموارد.

كما تضمنت القرارات الإدارية استمرار عدد من القيادات فى مواقعها، فى إشارة إلى قدر من الاستقرار المؤسسى داخل بعض القطاعات، حيث استمر المهندس محمد أبوسعدة رئيسًا للجهاز القومى للتنسيق الحضارى، والمهندس حمدى سطوحى رئيسًا لصندوق التنمية الثقافية، والدكتور أشرف العزازى أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للثقافة، والدكتورة نبيلة حسن رئيسًا لأكاديمية الفنون. كذلك استمر الفنان تامر عبدالمنعم فى رئاسة البيت الفنى للفنون الشعبية والاستعراضية، كما استمر الدكتور أسامة طلعت فى رئاسة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية.

وهكذا، يتضح أن المشهد الثقافى فى مصر يقف عند مفترق طرق إدارى وثقافى فى آن واحد، حيث تتقاطع إرادة الإصلاح مع تعقيدات البنية الراسخة، وتتشابك الرغبة فى التجديد مع إرث طويل من التراكمات. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تكون هذه التغييرات بداية فعلية لإعادة صياغة المشهد الثقافى على أسس أكثر حداثة وفاعلية، أم أنها ستظل مجرد حلقة جديدة فى سلسلة طويلة من التدوير الإدارى؟

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق