عندما تسرّب الإنترنت في مطلع عام 2026 اسماً غريباً من أروقة شركة أنثروبيك، لم يكن أحد يتوقع أن كلمتين بسيطتين ستتحولان إلى مصدر قلق لأكبر المؤسسات المالية في العالم. "كلود ميثوس"، النموذج المُسرّب الذي جاء الكشف عنه بالصدفة، فتح باباً واسعاً لنقاش محتدم حول مستقبل الأمن السيبراني في عصر الذكاء الاصطناعي.
ما الذي يجعل ميثوس استثنائياً؟
وصف متحدث باسم أنثروبيك النموذج الجديد بأنه يُمثّل "قفزة نوعية" في مجال الذكاء الاصطناعي، وأنه أكثر نماذج الشركة قدرةً حتى الآن، مع تحسينات جوهرية في التفكير المنطقي والبرمجة والأمن السيبراني. لكن ما يُميّز ميثوس عن سابقيه ليس فقط الأداء المتفوق، بل طبيعة القدرات التي يحملها.
يتمتع ميثوس بقدرة غير مسبوقة على اكتشاف ثغرات مجهولة من نوع "Zero-day"، ولا يكتفي باكتشاف الثغرة الواحدة، بل يستطيع ربط عدة ثغرات معاً لشنّ هجوم معقد وتلقائي بالكامل، وما كان يتطلب أشهراً من نخبة القراصنة البشر يمكن لميثوس إنجازه في ساعات.
تخيّل الأمر على هذا النحو: إذا كان نظام الحماية الرقمية لأي مؤسسة قلعة محصنة بآلاف الأبواب، فإن الأدوات التقليدية تبحث عن باب تُرك مفتوحاً بالخطأ. أما ميثوس، فهو قادر على فحص المادة التي صُنع منها القفل نفسه، ليكتشف ثغرة مجهرية لا تراها العين البشرية، ثم يصنع المفتاح لها ويقتحم القلعة في دقائق، دون أن يُطلق إنذاراً واحداً.
اجتماع طوارئ في وول ستريت
في حادثة لافتة، استدعى وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول رؤساء أكبر البنوك في وول ستريت إلى اجتماع طوارئ مغلق، كان موضوعه الرئيسي نموذج ميثوس الذي وُصف بأنه "سلاح ذو حدين" قد يُعيد تشكيل خريطة الأمن السيبراني العالمي.
بدأت مجموعة من أكبر البنوك الأمريكية مثل غولدمان ساكس وسيتي جروب وبنك أوف أمريكا تجربة الاعتماد على النموذج الجديد لتعزيز حماية أنظمتها، في حين حذّر باول من أن الاعتماد الزائد على تقنية واحدة قد يخلق بدوره مخاطر نظامية جديدة.
مشروع Glasswing: الدرع قبل السيف
أوضحت أنثروبيك أن الإطلاق المحدود للنموذج يأتي ضمن مشروع أمني يحمل اسم "Project Glasswing"، حيث سيُستخدم النموذج من قِبَل اثنتي عشرة جهة شريكة لتنفيذ مهام تتعلق بالدفاع السيبراني وتأمين البرمجيات الحيوية. الفكرة الجوهرية هنا أن تُستخدم قدرات ميثوس لاكتشاف الثغرات وإصلاحها قبل أن يكتشفها المهاجمون.
وقد أصبح نموذج Claude Mythos Preview متاحاً في معاينة خاصة لعدد مختار من عملاء Google Cloud، ضمن مشروع Glasswing الرامي إلى تقليص مخاطر الأمن السيبراني.
هل الأمر مبالغ فيه؟
ليس الجميع متفقاً على الخطورة المُبالغ بها. رصد باحثو مختبر AISLE أن ثمانية نماذج من ثمانية اكتشفت الثغرة الأمنية التي يتميز بها ميثوس في نظام FreeBSD، من بينها نماذج صغيرة الحجم للغاية، مما يشير إلى أن قدرات الاكتشاف الواسعة متاحة فعلاً بتكلفة منخفضة وليست حكراً على نموذج واحد.
هذا لا يعني أن ميثوس ليس استثنائياً، لكنه يضع التحذيرات في سياقها الصحيح. الخلاصة أن ميثوس يمثّل لحظة فارقة في تاريخ الذكاء الاصطناعي، ليس لأنه الأول من نوعه، بل لأنه الأوضح في كشف حجم المعادلة الصعبة: كيف نبني عقولاً رقمية أكثر قدرة، دون أن نسلّم معها مفاتيح الفوضى لمن يريدها؟
نموذج ميثوس.. حين يصبح الذكاء الاصطناعي سلاحا ذا حدين
نموذج ميثوس.. حين يصبح الذكاء الاصطناعي سلاحا ذا حدين


















0 تعليق