في خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر، ارتقى المنبر الدكتور محمود الهواري، الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، ليفكك شفرات الأزمات التي تعصف بالشعوب العربية والإسلامية.
وأكد الهواري بكلمات حاسمة أن "الفرقة" ليست مجرد خلاف عابر، بل هي أعظم بلاء ابتليت به الأمم عبر تاريخها، والسبب الرئيس وراء استباحة مقدراتها وضياع هيبتها أمام الأعداء، مشدداً على أن الأمة التي تتنازع تعذب في دنياها قبل آخرتها برؤية كنوزها تُنهب وهي لا تملك حتى حق الشكوى.
خطط الشيطان
كشف الخطيب عن الصراع الأزلي بين مرادين متقابلين: مراد الشيطان الذي يسعى جاهداً لإيقاع العداوة والبغضاء، ومراد الرحمن الذي أمر بالاعتصام بحبل الله والوحدة.
وأوضح الهواري أن كل دعوة تفرق الصف أو تثير الضغائن هي خدمة مجانية لأهداف إبليس، بينما كل جهد يجمع الكلمة هو تحقيق لمراد الله في قوله: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، محذراً من أن التنازع لا يقود إلا لفشل القوى وذهاب الريح.
التاريخ يعيد نفسه: من "شاس بن قيس" إلى الفتن الكبرى
خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر استحضرت دروس التاريخ لتسقطها على الواقع المعاصر، حيث استعرض الدكتور الهواري كيف حاول الحاقدون قديماً، مثل "شاس بن قيس"، إشعال نار الفتنة بين الأوس والخزرج بتذكيرهم بصراعات الماضي. كما أشار إلى الفتنة التي أدت لاستشهاد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، مؤكداً أن الفتن الكبرى تبدأ دائماً بكلمة صغيرة أو شائعة مغرضة لا تجد من يوئدها في مهدها، مما يجعل التثبت من الأخبار فريضة دينية لا تهاون فيها.
السوشيال ميديا.. السلاح الفتاك في العصر الحديث
خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر سلطت الضوء على تطور أدوات الفتنة في قرننا الحادي والعشرين، محذرة من أن وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المضلل أصبحت بيئة خصبة لنشر الشائعات التي تستنزف طاقات الأمم.
ووجه الخطيب رسالة شديدة اللهجة لمستخدمي "السوشيال ميديا" بضرورة ضبط اللسان والكف عن تداول كل ما يُسمع دون وعي، مستشهداً بحديث النبي ﷺ: "كفى بالمرء كذبًا أن يُحدّث بكل ما سمع"، ومؤكداً أن الكلمة اليوم قد تهدم أوطاناً بأكملها في لحظات.
الوحدة فريضة وليست خياراً سياسياً
خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر اختتمت بتأصيل شرعي لمفهوم الوحدة، حيث جزم الهواري بأن وحدة الصف ليست مناورة سياسية أو مصلحة مؤقتة تفرضها الظروف، بل هي "أصل من أصول الدين" وواجب شرعي مقدس.
ودعا كل فرد في الأمة إلى أن يكون عنصراً للإصلاح لا معولاً للهدم، فإذا كان الفرد لا يملك وقف الحروب الكبرى، فإنه يملك بالقطع ضبط كلمته وموقفه، لأن قوة الأمة ومكانتها تبدأ من وعي الفرد والتزامه بجمع الكلمة ونبذ الكراهية.

















0 تعليق