في وقتٍ حساس يعيشه العالم العربي اليوم، أصبحت القضية الأبرز هي مصير الأمن والاستقرار في المنطقة، في ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى التي تشهدها المنطقة، التي قد تضع مصير الدول العربية على المحك.
ومن جانبه، أكد اللواء مصطفى زكريا، الخبير العسكري، أن الحماية الأمريكية، رغم قوتها، قد أثبتت محدوديتها في أكثر من موقف. على الرغم من قدرتها على تأجيل الخطر أو احتواء التصعيد، إلا أنها لم تضمن الأمن الكامل ولم تحقق الردع الفعلي.
وقال زكريا: "الحماية الخارجية قد تكون وسيلة لتأجيل الخطر، لكنها لن تضمن له الردع الكامل، كما أن تداعيات الأحداث الأخيرة أكدت أنه لا يوجد ضمان حقيقي للأمن في ظل الاعتماد الكامل على الآخرين".
أشار إلى أن الردع الحقيقي لا يكمن فقط في قوة الصواريخ والطائرات، بل في منظومة متكاملة تتضمن أربعة أركان مترابطة: قوة عسكرية تُرهِب الخصوم، قوة اقتصادية تُحرر القرار، قاعدة علمية وتكنولوجية تُنتج أدوات العصر، ومنظومة فكرية وإعلامية قادرة على الصمود في وجه الحرب النفسية.
وأضاف أن غياب أي ركن من هذه الأركان يُفرغ الردع من مضمونه ويجعل الأمن العربي هشًا وعرضة للاختراق.
التجربة المصرية:
وتابع:" لا شك أن التجربة المصرية في السبعينيات كانت محاولة مبكرة لفهم هذه المعادلة المعقدة، حين أُطلق مشروع الهيئة العربية للتصنيع كأحد المشروعات العربية المشتركة لبناء قاعدة صناعية عسكرية مستقلة، وهذا المشروع لم يكن مجرد محاولة لتصنيع السلاح، بل كان بمثابة محاولة لتحرير القرار العربي من التبعية وبناء قوة ردع مستقلة، ورغم أن المشروع لم يُكتمل بشكل كامل عربيًا بسبب انسحاب بعض الدول، إلا أن التجربة كانت تمثل حجر الأساس لبناء ردع عربي حقيقي".
وقال :" اليوم، ورغم ما تحقق من تطور نسبي في بعض الدول العربية في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والحرب الإلكترونية، فإن هذه الجهود لا تزال تتسم بالتفكك وعدم التكامل الاستراتيجي. معظم الجهود العربية في هذه المجالات تفتقد إلى التنسيق بين الدول العربية المختلفة، وتعمل بمعزل عن بعضها البعض. في المقابل، تمتلك الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، منظومات متكاملة من الصناعات العسكرية تخدم أهدافًا سياسية محددة وتضمن تفوق حلفائها، وخاصة إسرائيل، في هذه المجالات".
الإمكانات العربية:
أكد اللواء زكريا أن العرب لا تنقصهم الموارد المالية أو الموارد البشرية والعلمية. بل على العكس، لديهم من القدرات ما يسمح لهم ببناء منظومة ردع حقيقية، إلا أن ما ينقصهم هو الإرادة السياسية الموحدة لتحويل هذه الإمكانات إلى مشروع استراتيجي متكامل، يتجاوز المبادرات المنفصلة ويلتقي في نقطة واحدة: الاعتماد على الذات.
ختم اللواء زكريا حديثه بسؤال محوري: "هل يدرك العرب أن لحظة الاعتماد على الذات قد حانت بالفعل؟". مضيفًا أن الأحداث التي شهدتها المنطقة كشفت عن فشل الأنظمة الأمنية الخارجية في ضمان الاستقرار طويل الأمد، وأن من لا يصنع أمنه بنفسه، سيظل دائمًا يعيش تحت مظلة حماية الآخرين بشروطهم وأولوياتهم.

















0 تعليق