حين يتكلم النفط بلغة الجغرافيا ليبيا عمق مصر المنسي

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ليبيا لم تكن يوما مجرد جار لمصر، بل كانت عمقا استراتيجيا حقيقيا يتجاوز حدود الجغرافيا الى جوهر المصالح والمصير المشترك. العلاقة بين البلدين لم تبن فقط على خطوط حدود، بل على معادلة امن قومي متداخل، حيث استقرار احدهما ينعكس مباشرة على الاخر.

العلاقات المتينه بين الطرفين لم  تكتب بالشعارات، بل بالمواقف. وفي مراحل التوتر الاقليمي والضغوط السياسية التي مرت بها المنطقة، اثبتت العلاقة الليبية المصرية ومنذ عقود إنها قابلة لاعادة التشكيل حين تتوفر الإرادة السياسية.

في عهد معمر القذافي، لم يكن النفط مجرد سلعة اقتصادية، بل أداة سيادية يمكن توجيهها لخدمة التوازنات الاقليمية، وفق رؤية تتجاوز منطق السوق إلى منطق الدور.

ليبيا اليوم، بما تملكه من احتياطات نفطية كبيرة، وبموقعها الجغرافي الملاصق لمصر، تمثل خيارا استراتيجياً لا يمكن تجاهله. فتكلفة النقل أقل، وسرعة الإمداد أعلى، والمخاطر السياسية اضعف مقارنة بمصادر بعيدة تخضع لتقلبات دولية وتحالفات غير مستقرة. هذه ليست مجرد معادلة اقتصادية، بل معادلة امن طاقي في جوهرها.

في المقابل، مصر ليست مجرد مستهلك للطاقة، بل دولة محورية قادرة على لعب دور ضامن لاستقرار ليبيا إذا ما اعيد تعريف العلاقة على أسس استراتيجية واضحة. فالدعم المتبادل لا يعني التبعية، ولم يكن يحمل هذا المفهوم ،بل يعني بناء شبكة مصالح تحمي الطرفين من الإنزلاق في محاور خارجية لا تخدم استقرارهما.

في تقديري المشكلة لم تكن يوما في غياب الإمكانيات، بل في غياب الرؤية. حين يتم التعامل مع النفط كسلعة فقط، تضيع فرص تحويله إلى أداة نفوذ. وحين يتم تجاهل الجغرافيا، تصبح القرارات أكثر كلفة وأقل أمانا.

اليوم، ومع تعقيد المشهد الإقليمي، تبدو الحاجة ملحة لإعادة قراءة العلاقة بين ليبيا ومصر بعيداً عن الحسابات الضيقة. ليس من باب الحنين الى الماضي، بل من باب استيعاب درس لم يفقد صلاحيته بل أعاد ترسيخ بعض المفاهيم الخاطئة التي انتهجت بعد فترة فوضى مايعرف بثورات الربيع العربي، علينا جميعا أن نعي أن القرب الجغرافي حين يقترن بالإرادة السياسية، يتحول الى قوة لا يمكن تعويضها.وهذا مانحتاجه اليوم 
أن الأمن الطاقي لا ينفصل عن الأمن القومي، ومن يملك القدرة على ربط الاثنين، يملك مفاتيح الاستقرار. ليبيا ومصر أمام فرصة حقيقية، أما أن تتحول إلى شراكة استراتيجية واعية، أو تبقى مجرد امكانية مهدوره  في زمن لا يرحم المترددين.

العمق لا يشترى… بل يبنى، ومن لا يبنيه بيديه، سيضطر يوما لشرائه بثمن مضاعف.
رئيس تحرير صحيفة الموقف الليبي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق