أصحاب الهمم (4).. من أقوى الرجال في العالم

مصراوى 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تقاس القوة الحقيقية للإنسان بقدرته على استكشاف نفسه والتعرف على مواهبه وسعيه نحو سبل الإبداع من أجل استثمارها في بلوغ أعلى درجات التميز والنجاح والرقي، وفي تقديري أن العالِم الفيزيائي العظيم صاحب أشهر النظريات في الثقوب السوداء والديناميكية الحرارية والتسلسل الزمني ونشأة الكون ستيفن هوكينج، بالرغم من إصابته بالشلل الكامل والعجز التام عن الكلام، قد استطاع بإصراره ومثابرته وتحديه وقهره لمرضه، أن يصبح قويا بذاته وفي ذاته وربما واحدا من أقوى الرجال في العالم، استطاع أن يعيش مستقلا رافضا القبول بأية تنازلات يمكن أن تُفرَض عليه بسبب إعاقته، كان يقول دائما: (أنا متأكد من أن إعاقتي هي أهم سبب في شهرتي التي أتمتع بها الآن لإعجاب الناس بالتناقض بين قدراتي البدنية المحدودة للغاية ونطاق الكون الواسع الذي أتعامل معه) وقال: (مهما كانت الحياة صعبة فهناك دائما أمر آخر يمكنك النجاح فيه) وقال أيضا: (من المهم أن تستسلم ببساطة لقدراتك القوية وأن تعمل بها قبل أن يُعمِل فيك اليأس سيفه).

وُلِدَ ستيفن هوكينج في 8 أبريل 1942 في مدينة "أكسفورد بإنجلترا" كان ابن عائلة معروفة بشغفها بالعلم والبحث العلمي، فأمه الأسكتلندية كانت ضمن القليلات اللواتي نجحن في ثلاثينيات القرن الماضي في إتمام تعليمهن الجامعي في وقت كان من الصعب على الفتيات دخول الجامعات أساسا، أما أبوه فقد درس الطب بجامعة أكسفورد، وتخصص في الأمراض الاستوائية وكثيرا ما اغترب عن الأسرة بالذهاب إلى أفريقيا لعمل الأبحاث هناك.

نشأ هوكينج في ظروف غاية في الصعوبة، فمحدودية موارد الأسرة حرمت أفرادها من الحياة الرغدة الميسورة، وجعلتهم يعيشون بالكاد في بيت صغير بـ"سانت ألبانز" مكون من ثلاثة طوابق فوق آخره سقف غير مكتمل، كما لم يكن بحوزة الأسرة سوى سيارة قديمة إنجليزية الصنع قد تعمل حينا وتتعطل أحيانا.

من أغرب عادات تلك الأسرة أن أفرادها كانوا يأكلون في صمت ولا يتجاذبون أطراف الحديث معا، كما كانوا منعزلين عن بعضهم البعض بقراءة كل منهم كتابًا وكذلك كانوا مهتمين بتربية النحل في قبو المنزل وتصنيع الألعاب النارية، أما هوكينج نفسه فكان مهتما بتفكيك الساعات والراديوهات وربما لا يستطيع إعادتها ثانية للصورة التي كانت عليها.

بدأ هوكينج حياته الدراسية غير مكترث بها فكان لا يذاكر ولا يؤدي الواجبات المطلوبة منه وكثيرا ما اشتكاه مدرسوه لوالده دون جدوى، فقد كان اهتمامه قاصرا على اللعب والتسلية، كان يحب رياضة التجديف والرقص والموسيقى والمشاركة في احتفالات أعياد الميلاد والتنزه، وظل هكذا طيلة فترة مراهقته حتى التحق بجامعة أكسفورد، حيث كان أمله أن يدرس في تلك الجامعة مادة الرياضيات لكن لم يتمكن من ذلك إذ لم يكن بالجامعة قسم لهذا العلم، فما كان أمامه من سبيل سوى الالتحاق بقسم الفيزياء والذي قضى فيه أربع سنوات تخرج بعدها بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف رغم أنه لم يكن يذاكر أكثر من ساعة واحدة يوميا.

كانت نقطة التحول في حياة هوكينج وهو في السنة الثالثة بالجامعة، إذ كانت تظهر عليه أعراض غريبة، تمثلت في سقوطه المفاجئ على الأرض وتلكؤه في النطق، لم يُعِر هوكينج تلك الأعراض اهتماما في أول الأمر فلعلها طارئ قد يزول بسرعة، لكن تكرارها دفع الأب لأن يذهب بالشاب إلى الأطباء والذين احتجزوه بأحد المستشفيات مدة أسبوعين، أجروا له خلالها التحاليل اللازمة والفحوصات الضرورية وأخذوا منه العينات وتوصلوا نهاية الأمر إلى أن هوكينج في المراحل الأولى من مرض خطير اسمه "التصلب الجانبي الضموري "وسوف يتسبب هذا المرض في موت هوكينج خلال سنتين على الأكثر، كما سيؤدي لإصابته بالضمور التدريجي في عضلات الجسم وبالتالي الشلل الكلي أثناء بقائه على قيد الحياة.

كان الخبر صادما للأسرة، فالشاب المسكين لا يزال على أول أعتاب الشباب ولم يتذوق حلاوة الأيام بعد، لذلك عم الجزع الجميع وبات الأب لا يدري ماذا يفعل؟ وكيف سيتحمل رحيل ابنه عنه خلال سنتين كما أخبره الأطباء؟ الوحيد الذي صبر على مصابه وألمه هو هوكينج نفسه وتحدى المرض وعاش حتى بلغ 76 سنة حاملا على أكتافه عبء البحث والتجريب في مجال الفيزياء إلى أن أصبح أهم علماء ذلك الفرع المهم في التاريخ المعاصر.

وللحديث بقية في الأسبوع القادم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق