النظام الإيراني يواصل فرض قيود صارمة على الشبكة العنكبوتية وممارسة ضغوط واسعة النطاق على ملايين المواطنين عبر تعتيم رقمي ممنهج يهدف إلى عزل المجتمع عن العالم الخارجي، حيث تحولت هذه السياسات القمعية بمرور الوقت إلى نشاط اقتصادي شديد الربحية يدر مبالغ طائلة على الكيانات المرتبطة بمراكز القوى داخل الدولة، مما أدى إلى خلق أزمة معيشية وتقنية خانقة تضر بجميع فئات المجتمع الإيراني،
حسب تقرير لـ إندبندنت فارسية فإن السوق السوداء لبيع خدمات برامج كسر الحجب والإنترنت الفضائي وشرائح الاتصال الدولية شهدت ازدهاراً منقطع النظير في أعقاب الاحتجاجات الواسعة، إذ تشير التقديرات الحالية إلى أن حجم التداول في هذا القطاع الخفي تجاوز مئات آلاف المليارات من التومانات، مما يعكس تحول القمع الرقمي إلى استراتيجية مالية تخدم المؤسسات العسكرية والسياسية النافذة في البلاد،
يعيش الإيرانيون منذ أكثر من شهرين ونصف تحت وطأة انقطاع واسع واضطرابات مستمرة في شبكة الإنترنت بأوامر مباشرة من مسؤولي السلطة، وهو ما أدى إلى حرمان عشرات الملايين من أبسط متطلبات الحياة اليومية مثل التواصل العائلي والوصول إلى الأخبار، بالإضافة إلى تعطل الأنشطة المهنية والدراسية التي تعتمد بشكل كامل على التواجد الرقمي المستمر والفعال في ظل الظروف الراهنة،
يضطر المواطنون في طهران ومختلف المحافظات إلى اللجوء لبرامج كسر الحجب المدفوعة لتجاوز القيود الواسعة المفروضة على الشبكة العالمية، مما جعل سوق بيع خدمات الـ VPN والتهيئات الخاصة المعروفة بـ "الكونفيغ" تتحول إلى واحدة من أكثر القطاعات ربحية ضمن الاقتصاد الخفي، حيث يتم هذا النشاط عبر شبكات مرتبطة بوزارة الاتصالات وجهات أمنية رفيعة المستوى تسيطر على البنية التحتية،
تشهد هذه السوق نمواً متسارعاً للغاية في وقت فرضت فيه السلطات أشد القيود الرقمية منذ سنوات طويلة، خاصة في ظل استمرار التوترات الإقليمية والمواجهات غير المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث جرى في المرحلة الأولى تعطيل الوصول العام للإنترنت وإيقاف البرامج الشائعة تماماً، قبل أن يتم السماح بالاتصال عبر قنوات محدودة للغاية تخضع لرقابة مالية وأمنية مشددة،
تأثيرات القيود الرقمية على بنية المجتمع الإيراني
أدى الوضع الراهن إلى شلل واسع طاول مئات الشركات الناشئة في مختلف أنحاء إيران وتسبب في خسائر اقتصادية فادحة يصعب تعويضها، إلا أن هذه القيود ذاتها التي عطلت حياة المواطنين خلقت في المقابل سوقاً ضخمة لبيع أدوات الوصول إلى الإنترنت الحر، وتؤكد تقارير تقنية أن استمرار هذا النشاط لا يمكن أن يتم دون دعم مباشر أو غض طرف من الأجهزة الأمنية،
صرح عضو لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني أحمد بخشايش أردستاني بأن الأرباح السنوية الناتجة من بيع برامج كسر الحجب لا تقل عن ملياري دولار أميركي، وهو رقم مرشح للزيادة في ظل الأسعار الحالية التي تباع بموجبها خدمات الـ VPN وفق نظام احتساب الغيغابايت بأسعار باهظة، حيث تتراوح تكلفة الغيغابايت الواحد ما بين دولارين وثلاثة دولارات تقريباً،
يرى خبراء تكنولوجيا المعلومات أن النظام الإيراني عمل لسنوات طويلة على بناء ما يمكن وصفه باقتصاد القمع الرقمي المتكامل، حيث تعمد السلطات في البداية إلى تقييد الوصول الحر للإنترنت ثم تعيد بيع وسائل الوصول نفسها للمواطنين عبر خدمات مدفوعة وغير رسمية، مما يضمن تدفق السيولة النقدية إلى خزائن الجهات التابعة للسلطة بعيداً عن الرقابة المالية التقليدية،
تمتد هذه السوق لتشمل بيع اشتراكات برامج كسر الحجب وتوفير شرائح اتصال لدول مجاورة مثل تركيا والعراق والإمارات، بالإضافة إلى بيع معدات وخدمات الإنترنت الفضائي التابعة لشركة ستارلينك بأسعار مبالغ فيها، ونتيجة لذلك تحول الإنترنت الذي يعد من أبسط الحقوق المدنية في العالم إلى سلعة باهظة الثمن ومحصورة بفئات محددة تمتلك القدرة المالية الكافية،
يؤكد صاحب متجر إلكتروني في العاصمة طهران أنه اضطر لدفع مبالغ ضخمة تتجاوز مئة وثلاثين دولاراً خلال شهر واحد فقط للحصول على خدمات كسر الحجب، معتبراً أن ما يحدث هو عملية ابتزاز ممنهجة حيث تقوم السلطات بقطع الطريق الرقمي أولاً ثم تطلب من المستخدمين الدفع مقابل إعادة فتحه، وهو ما يثقل كاهل صغار الكسبة والتجار،
الارتباط الوثيق بين الحرس الثوري وسوق الالتفاف
تشير تصريحات عدد من المسؤولين الحكوميين وأعضاء البرلمان الإيراني إلى أن سوقاً بهذا الحجم والانتشار لا يمكن أن تعمل بهذه العلنية دون ارتباط مباشر بمؤسسات أمنية، حيث أقر عضو اللجنة الثقافية جواد نيك بين بأن الجهات التي تضع منظومة التصفية والفلترة هي نفسها التي تقوم ببرمجة وبيع برامج الـ VPN مباشرة أو عبر وسطاء مجهولين،
تمكن كبار البائعين المعروفين في هذا المجال من مواصلة نشاطهم لسنوات طويلة دون أية ملاحقات قضائية أو أمنية تذكر رغم الحظر الرسمي، مما يعزز فرضية وجود حصانة مرتبطة بمراكز النفوذ داخل الدولة وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، الذي يدير شبكة مالية ضخمة ومنظومة توزيع واسعة النطاق لبرامج تجاوز الحجب الرقمي في جميع المدن،
تداولت منصات التواصل الاجتماعي وثائق منسوبة لمشاريع تقنية تهدف إلى تنفيذ نظام تصنيف للشبكة وتطبيق ما يعرف بالفلترة الذكية، وتشير هذه الوثائق إلى تورط شخصيات مرتبطة بالسلطة في تقديم مشاريع للمجلس الأعلى للفضاء السيبراني تهدف لقطع الإنترنت العام وتوفير وصول خاص لفئات محددة، مما يكرس سيطرة المؤسسة العسكرية على الفضاء الرقمي،
يرتبط اسم رسول جليلي وشركات تقنية متخصصة بخطة عزل الإنترنت في إيران وتطوير أدوات الرقابة الأمنية المتقدمة، حيث يعمل هؤلاء المخططون على توفير ما يعرف بالشرائح البيضاء التي تمنح وصولاً غير مقيد لجهات معينة، بينما يظل باقي الشعب يعاني من بطء الشبكة وتكلفتها العالية، وهو ما يعكس استغلال التكنولوجيا لتعزيز نفوذ النظام الإيراني السياسي،
تحولت عمليات قطع الإنترنت وتقييده منذ احتجاجات يناير الماضي إلى واحدة من أبرز أدوات القمع الأمني، إذ أدى الاضطراب الواسع في تطبيقات المراسلة إلى حرمان المحتجين من التنسيق الفعال وتبادل المعلومات الميدانية، وفي المقابل ارتفع الطلب بصورة غير مسبوقة على الخدمات البديلة مما أدى لتضاعف أرباح الشبكات التي تستفيد من هذه الأزمات المتلاحقة،
الإنترنت الطبقي وتكريس التمييز بين فئات الشعب
يضطر المواطنون العاديون لدفع مبالغ باهظة للوصول إلى الإنترنت الحر بينما تتمتع الشخصيات الداعمة للسلطة والمؤسسات الحكومية بإمكانية وصول سريع وغير محدود، ويصف منتقدون هذا الواقع بظاهرة الإنترنت الطبقي التي تعكس اتساع الفجوة بين عامة الناس والجهات المرتبطة بالنظام، مما يخلق حالة من الاحتقان الاجتماعي بسبب غياب العدالة في توزيع الخدمات الأساسية،
لم يقتصر أثر القمع السياسي على تحميل المجتمع كلفة مالية باهظة بل تحول أيضاً إلى مصدر أرباح ضخمة للشبكات المستفيدة، حيث يتم تحويل الأزمات السياسية إلى فرص استثمارية لتمويل الأنشطة الأمنية والعسكرية بعيداً عن الميزانية العامة للدولة، وهو ما يجعل من استمرار الحجب مصلحة اقتصادية مباشرة للعديد من الأطراف النافذة في منظومة الحكم،
تؤكد تقارير اقتصادية أن الشركات العاملة عبر الإنترنت تضررت مرتين حيث خسرت مبيعاتها بسبب الانقطاع أولاً ثم تحملت نفقات إضافية، ويقول مدير شركة ناشئة في مدينة شيراز إن تراجع المبيعات أجبرهم على شراء خدمات VPN لجميع أعضاء الفريق لمواصلة العمل، مما يعني أنهم يدفعون ثمن المشكلة وثمن الحل في آن واحد لجهات تابعة للسلطة،
يواجه الموظفون والطلاب في الجامعات الإيرانية صعوبات بالغة في إنهاء مهامهم اليومية بسبب الاضطرابات المستمرة في الخوادم الدولية، ويؤدي هذا الوضع إلى تراجع جودة التعليم والإنتاجية المهنية مما يؤثر سلباً على النمو الاقتصادي العام للبلاد في المدى الطويل، في حين لا يبدي مسؤولو قطاع الاتصالات أي اهتمام بمعالجة هذه الأزمات التقنية المتراكمة،
بات الإنفاق المستمر على برامج كسر الحجب عبئاً مالياً جديداً يثقل كاهل العائلات التي تعاني أصلاً من التضخم المتسارع وانخفاض العملة، ويقول مدرسون في مدينة رشت إن الإنترنت الحر أصبح بمثابة سلعة فاخرة لا يستطيع الحصول عليها إلا الميسورون، مما يعزل جزءاً كبيراً من الشعب عن المعرفة العالمية والتطور التقني المستمر في الخارج،
خسائر الشركات الناشئة وتآكل الثقة في الاقتصاد
يرى مراقبون للشأن الإيراني أن تقييد الإنترنت تحول إلى أداة مزدوجة للسيطرة السياسية وتحقيق الأرباح المالية السريعة، حيث يعتمد هذا النموذج على خلق حالة من الندرة في الوصول للمعلومات ثم بيع هذا الوصول بأسعار مرتفعة، وهو ما يفرغ مفهوم الحقوق المدنية من مضمونه ويحولها إلى امتيازات تمنح مقابل مبالغ نقدية تذهب لجيوب المتنفذين،
تسبب النظام الإيراني في تدمير الثقة بالبيئة الاستثمارية الرقمية مما دفع العديد من الكفاءات والخبراء في مجال التكنولوجيا إلى الهجرة خارج البلاد، حيث يبحث المبرمجون والمهندسون عن بيئة عمل توفر لهم استقراراً في الاتصال وحماية لبياناتهم بعيداً عن التجسس والرقابة، وهو ما يفرغ الدولة من عقولها المبدعة ويضعف قدرتها على التنافس التقني،
تؤكد الإحصائيات أن حجم الخسائر اليومية للشركات الصغيرة والمتوسطة بسبب انقطاع الإنترنت يتجاوز ملايين الدولارات، ورغم ذلك تستمر السلطات في تعنتها وتزيد من تعقيد إجراءات الوصول للشبكة العالمية لدوافع أمنية واهية، مما يشير إلى أن الأولوية القصوى للمسؤولين هي الحفاظ على بقاء المنظومة السياسية حتى لو كان ذلك على حساب الاقتصاد الوطني،
يعتبر الناشطون في مجال الحقوق الرقمية أن ما يحدث في إيران هو قرصنة رسمية ترعاها الدولة ضد مواطنيها، حيث يتم استغلال حاجة الناس للاتصال بالعالم لابتزازهم مالياً وتتبع نشاطاتهم الإلكترونية عبر برامج VPN مشبوهة قد تحتوي على ثغرات أمنية، مما يعرض خصوصية المستخدمين للخطر ويسهل عمليات الملاحقة الأمنية بناءً على البيانات التي يتم جمعها،
إن الواقع الحالي يعكس حقيقة أن القيود والقمع يمكن أن يتحولا إلى نشاط تجاري يخدم بنية السلطة ويضر بالمواطن البسيط، ومع استمرار هذا النهج يزداد الشعور بالانعزال داخل المجتمع الإيراني الذي يجد نفسه محاصراً بين مطرقة الرقابة الأمنية وسندان التكاليف المادية الباهظة، مما ينذر بانفجارات اجتماعية قادمة قد يصعب السيطرة عليها في المستقبل القريب،
المستقبل الضبابي للحقوق الرقمية في ظل التوترات
يبقى الإنترنت الحر حلماً بعيد المنال لملايين الشباب في إيران الذين يتطلعون للعيش بحرية والتواصل مع أقرانهم في العالم، ورغم الوعود الحكومية المتكررة بتحسين جودة الشبكة إلا أن الواقع يشير إلى مزيد من الانغلاق والتشدد في الإجراءات، حيث يتم توظيف كل الإمكانيات التقنية المتاحة لبناء جدار ناري عازل يشبه النماذج المطبقة في دول شمولية أخرى،
ساهمت العقوبات الدولية والتوترات السياسية مع القوى العظمى في تبرير هذه الإجراءات القمعية تحت شعار الحفاظ على الأمن القومي، إلا أن المستفيد الحقيقي من هذه الحالة هم تجار السوق السوداء والكيانات التابعة للمؤسسة العسكرية التي تحتكر توريد المعدات، وهو ما يجعل المواطن الإيراني هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة المعقدة التي تجمع بين السياسة والتجارة،
يواصل النظام الإيراني ممانعة أي انفتاح رقمي حقيقي خوفاً من تدفق المعلومات التي قد تكشف حجم الفساد والانتهاكات الداخلية، وتعمل الأجهزة المعنية حالياً على تطوير بدائل محلية للتطبيقات العالمية لضمان السيطرة الكاملة على المحتوى المتداول، مما يعني تحويل الإنترنت في إيران إلى شبكة داخلية معزولة تخضع لإشراف أمني دقيق ومستمر على مدار الساعة،
تظهر التقارير الميدانية أن الغضب الشعبي يتزايد بسبب سوء الخدمات وارتفاع أسعار أدوات تجاوز الحجب بشكل غير منطقي، حيث يرى الناس أن حكومتهم تسرق أموالهم مقابل خدمة هي حق طبيعي لهم في الأصل، ومع تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد تجد السلطات نفسها في مواجهة مباشرة مع جمهور لم يعد قادراً على تحمل المزيد من الأعباء،
إن مأساة الإنترنت في إيران هي جزء من أزمة أوسع تتعلق بالحقوق والحريات الأساسية التي يتم التضحية بها، وسيبقى هذا الملف مفتوحاً على كل الاحتمالات في ظل إصرار السلطة على استخدام القمع الرقمي كمصدر دخل واستراتيجية بقاء، مما يجعل المستقبل يبدو ضبابياً للمجتمع الذي يسعى لكسر قيوده والتحرر من هيمنة الاقتصاد الخفي المرتبط بمراكز القوى.
















0 تعليق