شهد معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية بحزب الوفد، برئاسة د. عزة هيكل، عميد المعهد، انطلاق أولى الدورات التدريبية التى تغطى موضوعات حيوية تشمل، الاتصال السياسى والإعلام وإدارة الحملات الانتخابية وقانون المحليات وسياسات حزب الوفد، وسط حضور كبير من أبناء الحزب من مختلف المحافظات، وحاضر فى الدورة نخبة من المفكرين والمتخصصين من أساتذة الجامعات.
وأكد د.جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس، أن المحاضرة الأولى للمعهد تأتي في إطار مجموعة من المحاضرات للتأهيل السياسي للمحليات، التي ينظمها معهد الدراسات السياسية بحزب الوفد، تحت عنوان: «حزب الوفد والحركة الوطنية المصرية».
وتحدث د.شقرة خلال المحاضرة عن العديد من المحطات التاريخية المفصلية المهمة، التي بدأت بإعلان الحماية البريطانية على مصر 1914، ثم اندلاع ثورة 1919، ثم حل الأحزاب السياسية بعد ثورة 1952، ثم إعادة الحياة الحزبية وعودة حزب الوفد الجديد على يد فؤاد باشا سراج الدين، وممارسات الحزب خلال المرحلتين ما قبل 1952 وبعد عودة الحزب 1979.
وقال إن هناك موقفًا مهمًا لسعد باشا زغلول ورفاقه عبد العزيز فهمي وعلي شعراوي، وكان ذلك قبل نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية مطالبة المصريين لدولة الاحتلال بتنفيذ وعدها بمنح مصر الاستقلال، لذلك فكر رجال السياسة في ذلك الوقت، ومن بينهم الأمير عمر طوسون، وفي مقدمتهم المحامون المنتمون للجمعية التشريعية المصرية وعلى رأسهم سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي، في تشكيل وفد يقوم بمخاطبة المعتمد البريطاني للسماح لهم بالمشاركة في مؤتمر الصلح للمطالبة باستقلال مصر.
وأوضح أن هذا اللقاء تم عام 1918 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وكان لقاءً مهمًا إذ صُدم الوفد المصري بإنكار المعتمد البريطاني لحق مصر في الاستقلال ورفضه طلب الوفد بالسفر لحضور مؤتمر الصلح في باريس، لافتا إلى أن هذه الأحداث كانت مؤشرًا لميلاد زعامات وطنية لعبت دورًا كبيرًا في الحركة الوطنية المصرية منهم سعد باشا زغلول.
وأشار إلى أن الوفد واجه تعنت المعتمد البريطاني، الذي قال لهم: «أنتم تطالبون بالاستقلال؟»، ليرد سعد زغلول قائلًا: «نحن نستحق الاستقلال، ولسنا أمة من الهمج، بل أمة كبيرة تستحق الاستقلال»، كما سخر سعد زغلول من مقارنة المعتمد البريطاني مصر بدول اخرى لا يوجد لها تاريخ ومكانة مثل مصر.
حماية قناة السويس
وأضاف أن المعتمد البريطاني تحدث عن وجود الكثير من الجهلاء في مصر لذلك لا يمكن لمصر أن تحكم نفسها، فرد سعد زغلول قائلًا إن بريطانيا أيضًا بها جهلاء لكنهم لا يحكمون.. كما تحدث المعتمد عن عدم قدرة مصر على حماية قناة السويس، فرد سعد بأن هذا الأمر يمكن التفاوض بشأنه بعد خروج المستعمر من مصر، وأكد سعد زغلول للمعتمد البريطاني مرة أخري أن مصر دولة كبيرة ولها تاريخ عريق وفي نهاية اللقاء سأل المعتمد البريطاني سعد باشا ورفاقه: «من فوضكم للحديث باسم مصر؟»
وتابع «من هنا جاءت فكرة جمع التوكيلات من الشعب المصري لسعد باشا ورفاقه، وكان نص التوكيل:«فوضت أنا سعد زغلول ورفاقه للبحث عن استقلال مصر التام بالطرق السلمية ما إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا» وبالفعل بدأت حملة جمع التوقيعات والتفويضات بشكل واسع، في مشهد عكس وعيًا سياسيًا كبيرًا لدى الشعب المصري.
وأوضح أن الرد البريطاني كان أن مصر «خط أحمر» ولا يمكن منحها الاستقلال، ومن هنا بدأت محاصرة قادة الحركة الوطنية وفرض الرقابة على الصحف.
كما أشار إلى واقعة مهمة وهى دعوة سعد باشا لحضور محاضرة حول مقترحات لتعديل القانون الجنائي المصري، وبعد انتهاء المحاضرة وجّه سعد زغلول حديثه إلى المحاضر قائلًا: «لماذا تفكرون في تغيير القانون المصري؟ ومن منحكم هذا الحق؟ أنا رئيس الجمعية التشريعية، وهي الجهة صاحبة الاختصاص في اقتراح تعديل القوانين وإذا كنتم تستندون إلى الحماية البريطانية على مصر، فارجعوا إلى تعريف الحماية في القانون الدولي؛ فالحماية تعني لجوء دولة ضعيفة إلى دولة قوية تطلب حمايتها، ومصر لم تطلب الحماية ابدًا، وبالتالي فإن الوجود البريطاني في مصر وجود غير قانوني، ولسنا دولة همجية حتى تُفرض علينا الوصاية».
أضاف أن هذه التصريحات انتشرت في مصر بشكل سريع، وقيل وقتها إن سعد باشا «أسقط الحماية البريطانية عن مصر»، ثم تم نفيه ورفاقه إلى مالطا، لتندلع بعدها ثورة 1919، التي رفعت شعار «الاستقلال التام أو الموت الزؤام».
وأشار إلى أنه بعد ضغط الشعب المصري تم الإفراج عن سعد زغلول والسماح له ورفاقه بالسفر إلى مؤتمر الصلح، إلا أن الثورة استمرت، حتى أصدرت بريطانيا تصريح 28 فبراير، الذي وصفه بأنه «استقلال شكلي» لم يمنح مصر السيادة الكاملة على أراضيها، لكنه حوّل مصر من سلطنة إلى مملكة.
أكد أن الفترة من 1936 وحتى 1952 شهدت تعرض حزب الوفد للعديد من المؤامرات والانقسامات، مثل ظهور الهيئة السعدية وحزب الكتلة الوفدية، إلى جانب ضغوط الاحتلال وتزوير الانتخابات، لافتًا إلى أن حزب الوفد لم يحكم خلال تلك الفترة سوى 7 سنوات فقط بسبب هذه الضغوط.
وتابع أن معاناة حزب الوفد واندلاع الحرب العالمية الثانية دفعا الحزب للتفاوض مع الإنجليز، ما أسفر عن معاهدة 1936، التي حملت إيجابيات وسلبيات، ووقعها مصطفى النحاس بعد وفاة سعد زغلول، لكنها لم تمنح مصر الاستقلال الكامل، حيث تضمنت بنودًا صعبة تتعلق بالعلاقات الخارجية.
وأوضح أن هذه المرحلة شهدت خروج تنظيم الضباط الأحرار بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الذي ابتعد عن القوى السياسية ونجح في تفجير ثورة 23 يوليو 1952، لتبدأ بعدها مرحلة النظام السياسي الواحد وهيئة التحرير ثم الاتحاد القومي فالاشتراكي.
وأشار إلى أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تبنى سياسة داخلية وخارجية قائمة على عدم الانحياز والسيطرة على الاقتصاد ورفض التبعية، ما أدخله في صدام مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتم خلال تلك الفترة تهميش الأحزاب السياسية.
واختتم د.جمال شقرة حديثه بالإشارة إلى أن الرئيس الراحل أنور السادات غيّر ملامح السياسة المصرية بعد حرب أكتوبر، واتجه نحو الولايات المتحدة، وبدأ سياسة الانفتاح وعودة الحياة الحزبية، ليعود حزب الوفد الجديد للحياة السياسة على يد فؤاد باشا سراج الدين.


















0 تعليق