قوة الحياة وقسوتها

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الخميس 14/مايو/2026 - 12:07 م 5/14/2026 12:07:31 PM

لا ينشأ أي شكل من أشكال السرور أوالرضا لدى الإنسان عن أفعاله الناجحة، التي تحتاج إلى صبر وقوة احتمال لتحقيقها، إلا بقياس درجة قوة الحياة أو قسوتها عليه في سعيه لإنجازها، ذلك أن المريض الحقيقي هو من يصاب بالجمود في مواجهة الشدائد فيعجزعن تحملها، حين ينظر إليها كفشل نهائي ليس لديه قدرة على مواجهته أو التغلب عليه، رغم أن الشدائد أيا كانت قوتها فإنها لا تدل على أنها أكبر من أن يتحملها إنسان، بقدر ما تدل على أنه ضعيف وغير قادر على تحمل أعباء الحياة، فضلا عن أنه لا يمكن النظر إليها على أنها شر حتمي دائم، بينما هي في حقيقتها تحمل - أيضا - خيرا أكبر، لا تأتي ثماره إلا باعتقاد الإنسان أنه قادر على تحصيل هذا الخير في نهاية الطريق، من خلال المحاولة والمثابرة في المحاولة وتكرار المحاولة وإن استمر تكرارها عمرا كاملا، وهذا يستدعي وجود إيمان صادق بأن وجود العالم هو لتحصيل هذا الخير، لأنه لا يمكن بطبيعة الحال أن يرجو أحدا الخير مما قد يعتقد أنه شر لا بد من التخلص منه..! ولكن ذلك يحتاح من الإنسان أن يحدد لنفسه موقفا واضحا من كل العناصر التي قد تؤدي به إلى التشاؤم والتكيف مع الحياة على أنها طريق للآلام، وتلك التي تؤدي به إلى التفاؤل والنظر للحياة بمنطق أنه يمكن تحسينها وتغييرها للأفضل، هذا النظر الذي يشكل اعتقادا ذاتيا وراسخا بكون الحقيقة في الحياة تقوم على الفكرة مثلما تقوم الفكرة على الرغبة. ولما كانت كل من الفكرة والرغبة أمرين شخصيين نابعين من الرؤية الفردية للإنسان في تحديد احتياجاته، فإن الحقيقة التي ثبتت صحتها بالضرورة  - ولو مؤقتا - ستكون من وجهة نظر كل فرد مختلفة في طبيعتها عن رؤية الآخر لها، غير أن ذلك لا يمنع الآخرين - بالطبع - من الاستفادة منها في حال نجاحها في تحقيق آمال ورغبات صاحبها، ومن هنا يأتي التعارف ليس بين الأشخاص فقط ولكن بين الأمم أيضا، في تحديد أوجه الاستفادة المتبادلة من المعارف والأفكار التي من شأنها تحقيق آمال الإنسان وتوفير احتياجاته، من خلال رؤية ذاتية قادرة على الانتقاء من بين تلك المعارف والأفكار، وبما يتماشى مع واقع المجتمع أو الفرد، وكذلك من خلال مرونة عقلية تستطيع ان تطور فيها وتختبر قدرتها على الصمود أو الاستمرار، ودون أن ترفضها جملة وتفصيلا لأنها ربما في جانب منها قد تتعارض مع معتقدات الفرد الشخصية أو العامة، وذلك يحتاج بالطبع إلى جعل استخدام النقد الواعي أمرا ممكنا وسلوكا عاما يوجه إلى انتخاب أفضل الأفكار أو النظريات والتكيف معها أو تكييفها دون تعصب أو ميل إلى العنف ضد أصحابها، في طريق يمكن معه تشكيل وعي عام وبيئة اجتماعية قائمة على السلام، بيئة يمكنها أن تدرك أن المعرفة البشرية ليست معصومة من الخطأ، وأنها قائمة على التجريب في مسارين أحدهما هو تجنب الأخطاء وثانيهما هو تبني الصحيح، الذي قد تنتفي صحته أو تتغير براهينه في المستقبل القريب أو البعيد، ما يحتاج إلى شكل من أشكال نفي إضفاء أي سلطة عقلية على المعرفة، لأن إضفاء تلك السلطة يضع بلا شك قيودا على كل فكر يرتبط بها من علم وعلماء وحكمة وحكماء ومعلمين ومتعلمين، فتنعكس أثارها مع الزمن على نمط حياة المجتمع وتفرض عليه حالة ركود فكري وعلمي وإنتاجي، فيركن إلى حالة من العوز المستمر والطلب الدائم للرعاية والوصاية، تلك الوصاية التي بمرور الوقت لا يفرضها على الإنسان أحد إنما يفرضها هو على نفسه، كما لو كان مولودا بها. لذلك فإن الرغبة في وضع إطار أخلاقي يضمن تحسين العلاقات الاجتماعية والاستفادة المتبادلة بين الأفراد والمجتمعات، يحتاج أولا إلى أن يكون الناس على وعي تام بضرورة احترام الآراء والأفكار التي تختلف - ولو جذريا - عن آراءهم وأفكارهم، مع التحلي بالمرونة والواقعية في تحقيق أهدافهم، والتي لا ينبغي أن تكون محاولة إقامة الجنة على الأرض من بينها، لأنها محاولة لا تحول الأرض إلا إلى جحيم مستمر، ينصب فيه كل شخص من نفسه حكما على الآخرين، يقيد حركتهم وينفي وجودهم في صالح وجوده. كما يحتاج ثانيا إلى رغبة الناس في صناعة أهدافهم بأنفسهم وإيمانهم العميق بقدرتهم على تحقيقها من خلال منافسة حرة ونزيهة ودون التعدي على أهداف الآخرين. كما يحتاج ثالثا إلى جنوح الناس نحو التسامح مع النفس إذا ما أخفقوا، ويصحبه إيمان راسخ بأن التعلم من الأخطاء هو أكثر الطرق نفعا لتحقيق النجاح. كما يحتاج في النهاية إلى فكرة عامة نحو التحرر العقلي والروحي من الخرافات والأصنام الفكرية الكاذبة، من خلال نقد الفرد والمجتمع لأفكاره، مع إيمانه أيضا بحاجته إلى نقد الآخرين له، لأن تقبل هذا النقد المتبادل لن يؤدي إلا إلى نمو في الرؤية والحقوق وتخصيب للأفكار التي تدفع الفرد كما تدفع المجتمع نحو الرقي والاذدهار.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق