الذكاء الاصطناعي يلتهم الوظائف: من سيبقى داخل سوق العمل الجديد؟ (ملف)

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في ظل تسارع التطور التكنولوجي المذهل الذي يشهده العقد الحالي وتغلغل استخدامات تقنيات الذكاء الاصطناعي في عصب القطاعات الحيوية لم يعد السؤال اليوم "هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي على عملنا؟" بل أصبح السؤال الملح هو "كيف ننجو داخل سوق عمل يعاد تشكيله وبناؤه من جديد؟".

نقف الآن أمام منعطف تاريخي حيث يتصاعد الجدل بين الخبراء والموظفين حول مصير الوظائف التقليدية ومدى قدرة العنصر البشري على الصمود أمام آلات تتعلم وتفكر وتنفذ بلمحة بصر ورغم تباين الرؤى واختلاف الزوايا التي ينظر منها المتخصصون إلا أنهم يجتمعون على حقيقة جوهرية واحدة وهي أن سوق العمل لن يختفي أو يندثر لكنه بصدد تحول جذري وشامل حيث أصبحت "المهارة" والقدرة على التكيف هي المعيار الأوحد الذي يتجاوز في قيمته أي مسمى وظيفي تقليدي استقر في الأذهان لسنوات طويلة.

 

تحديات البقاء.. المهن التي تقف في "عين العاصفة"

تستهل الدكتورة منى فتحي المحامية وخبيرة أمن المعلومات قراءتها للمشهد بالتأكيد على أن الطفرة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي لا تكتفي بتطوير الأدوات المكتبية بل تعيد صياغة "جينات" سوق العمل بشكل بنيوي وتوضح د. منى أن هذا التحول يضع العديد من المهن التي استقرت لقرون أمام تحديات وجودية تتعلق بالبقاء أو الاستبدال الكامل ووفقًا لتحليلها فإن الوظائف الأكثر عرضة لهذا التأثر المباشر هي تلك التي تعتمد في جوهرها على المهام الروتينية المتكررة والقابلة للأتمتة حيث يمكن للآلة برمجتها وتنفيذها بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.

 

وتضرب د. منى فتحي أمثلة دقيقة لهذه المهن تشمل بعض قطاعات أعمال المحاسبة التقليدية وخدمة العملاء وإدارة المحتوى والإشراف التقني على المنصات الرقمية بالإضافة إلى وظائف المبيعات التي تعتمد على نماذج تواصل ثابتة ولا تكتفي د. منى بذلك بل تشير بوضوح إلى أن المجالات التي كانت تعتبر "حصونًا بشرية" مثل البحث العلمي الأولي أو الصياغات الكتابية أصبحت اليوم قابلة للاستبدال المتزايد نتيجة ظهور أدوات "الذكاء الاصطناعي التوليدي" والتي أثبتت قدرة فائقة على صياغة النصوص وإعداد التقارير بدقة متناهية وسرعة لا تقارن بالجهد البشري.

1490af1ce7.jpg

وفي هذا السياق، يشرح الدكتور محمد مصطفى استشاري ومدرب تقنيات الذكاء الاصطناعي بعدد من المؤسسات في مصر والسعودية أن الوظائف المهددة ليست بالضرورة هي "الأقل قيمة" من حيث الأهمية الاقتصادية وإنما هي تلك التي تستند إلى قواعد واضحة ومعالجة بيانات نمطية.

ويضيف “مصطفى” قائمة من الوظائف التي دخلت دائرة الخطر ومن أبرزها إدخال البيانات والدعم الفني الأساسي والترجمة الأولية وإعداد التقارير المتكررة وصولًا إلى الوظائف الإدارية والكتابية التي تعتمد على "تكرار الإجراءات" أكثر من اعتمادها على "اتخاذ القرار السيادي".

 

من الإحلال إلى "تفكيك المهام".. رؤية تقنية مغايرة

من جانب تكنولوجي، يطرح الخبير التكنولوجي خالد خليفة رؤية مغايرة تهدف لتهدئة المخاوف الجارفة حيث يرى أن العالم لا يواجه "خطر استبدال الإنسان" بقدر ما يعيش مرحلة "تعزيز القدرات البشرية" ويصف “خليفة” الذكاء الاصطناعي بأنه الامتداد الطبيعي للثورة الصناعية الرابعة التي تهدف لإعادة توزيع المهام وتخفيف الأعباء التشغيلية عن كاهل البشر لا إلغاء دورهم القيادي.

ويفسر ما يحدث حاليًا بمصطلح علمي هو "الإزاحة التكنولوجية" حيث يوضح أن الأتمتة لا تستهدف استبدال الوظائف بأسماؤها الكاملة وإنما استبدال "المهام الروتينية" داخل كل وظيفة فمدير المبيعات على سبيل المثال كما يوضح خليفة لن يختفي دوره من الهيكل التنظيمي لكن الذكاء الاصطناعي سيقوم بعدد من مهامه المتكررة مثل تتبع الطلبات أو جدولة البيانات ليترك له المساحة الذهنية والوقت للتركيز على التحليل الاستراتيجي وبناء العلاقات واتخاذ القرارات المعقدة.

ويتفق الدكتور محمد مصطفى مع هذا الطرح مؤكدًا أن التحول الأهم لا يكمن في "اختفاء الوظيفة" بل في "إعادة تفكيكها" حيث يبدأ الذكاء الاصطناعي باستبدال "المهام" داخل الوظيفة وليس الوظيفة ذاتها مما يجعل الموظف لا يُستبدل كليًا بل يجد نفسه أمام "تغير جذري" في طبيعة عمله اليومي وهذا يتطلب كما يرى مصطفى إعادة تعريف كاملة للأدوار التقليدية مستشهدًا بتقارير منظمة العمل الدولية التي تؤكد أن التأثير الأكبر للذكاء الاصطناعي التوليدي هو إعادة تشكيل طبيعة العمل وتعزيز الإنتاجية أكثر من كونه إحلالًا كاملًا للعنصر البشري في القطاعات كافة.

 

هيكلة الشركات الكبرى.. دروس من جائحة 2020

تؤكد الدكتورة منى فتحي أن هذا التحول الهيكلي ليس مجرد توقعات مستقبلية بل هو واقع ملموس بدأت في تنفيذه شركات عالمية عملاقة مثل "أمازون" و"ميتا" و"مايكروسوفت" هذه الشركات بدأت بالفعل في تطبيق خطط إعادة هيكلة واسعة تهدف بشكل مباشر إلى تقليص الاعتماد على الأدوار التنفيذية التقليدية مقابل التوسع الضخم في استقطاب وتوظيف المتخصصين في علوم الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة.

وتنوه د. منى إلى أن هذا التسارع لم يبدأ اليوم بل كانت جائحة كورونا في عام 2020 هي "الشرارة" التي فجرت هذا التوجه حيث أجبرت العالم على الاعتماد الكلي على الحلول الرقمية والأتمتة لضمان استمرارية الأعمال في ظل التباعد الاجتماعي ومنذ ذلك الحين كما تشير خبيرة أمن المعلومات أصبح التحول الرقمي قدرًا لا مفر منه للشركات الراغبة في البقاء.

aca2763fcf.jpg

وفي ذات السياق يشير خليفة، إلى أن الاتجاه العالمي اليوم لا يقوم على إلغاء الوظائف بل على إعادة تشكيلها حيث يتم الاستغناء عن الأدوار التنفيذية البحتة لصالح وظائف تحليل البيانات واتخاذ القرار المبني على المعلومات فالموظف الذي كان يقوم بإدخال البيانات يدويًا أصبح دوره اليوم وفقًا لخليفة هو تحليل هذه البيانات بعد أن تُعالج تلقائيًا بواسطة الأنظمة الذكية مما يرفع من قيمته المهنية داخل المؤسسة.

واقع السوق المصري والإقليمي.. تحدي "إعادة التوجيه"

وعلى الصعيد الإقليمي، يرى خالد خليفة أن منطقة الشرق الأوسط تشهد تسارعًا واضحًا في التحول الرقمي مما يؤدي لتقليل الحاجة لبعض الوظائف الإدارية التقليدية مقابل زيادة الطلب على محللي البيانات ومتخصصي التقنية أما بالنسبة للسوق المصري تحديدًا فيرى خليفة أن التغيير لا يزال في مراحله الأولى نظرًا لاعتماد السوق الكبير على العنصر البشري الكثيف.

لكن خليفة يوجه تحذيرًا شديد اللهجة للأقسام الإدارية التي كانت تعتمد على أعداد كبيرة من الموظفين لأداء مهام بسيطة مؤكدًا أنها أصبحت الآن أمام ضرورة حتمية "لإعادة التوجيه والتدريب" فالمرحلة الحالية في مصر لا تشهد "تسريحًا جماعيًا" بل تشهد احتياجًا ملحًا لتدريب الموظفين على استخدام أدوات الأتمتة فالموظف الذي يرفض استخدام الذكاء الاصطناعي في عمله كما يقول خليفة سيكون هو المهدد بالاستبدال بينما الموظف الذي يوظفه سيزداد إنتاجه وقيمته السوقية.

ويستشهد خليفة بقطاعات الترجمة والتصميم الجرافيكي والتدقيق اللغوي والتي شهدت تحولًا كبيرًا حيث أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على تنفيذ أجزاء ضخمة من هذه المهام مما رفع إنتاجية المحترفين بشكل ملحوظ ولكنه في الوقت نفسه قلص الحاجة للأدوار التقليدية البسيطة في هذه المجالات حتى المحاسب تحول دوره من "مدخل بيانات" يدويًا إلى "مراقب ومحلل مالي" يقوم بمراجعة العمليات التي تتم آليًا مثل إصدار الفواتير وربط الضرائب والتحقق من صحتها.

 

ميلاد "العامل المعزز".. وظائف لم تكن موجودة

وحول الجدل المثار عن قدرة الذكاء الاصطناعي على خلق فرص عمل جديدة توضح الدكتورة منى فتحي أن الظاهرة "مزدوجة" بطبيعتها فهي تنهي عهد الوظائف التقليدية النمطية ولكنها تفتح في المقابل آفاقًا لوظائف مستحدثة تمامًا لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة وتؤكد أن أي شخص يستطيع دمج الذكاء الاصطناعي في مجاله لن يكون مهددًا بل سيكون أكثر قدرة على المنافسة.

وتشير د. منى إلى ازدهار تخصصات جديدة ستقود المرحلة المقبلة وعلى رأسها هندسة الأوامر (Prompt Engineering) وهم المتخصصون في صياغة الأوامر لتوجيه الأنظمة الذكية ومسؤول عمليات الذكاء الاصطناعي ورئيس استراتيجيات الذكاء الاصطناعي ومدير منتجات الذكاء الاصطناعي بالإضافة إلى مراجعة محتوى الذكاء الاصطناعي وتصميم المحادثات الذكية وتدريب النماذج.

ويتفق الدكتور محمد مصطفى مع هذا التوجه مضيفًا وظائف أخرى مثل "مسؤول حوكمة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي" و"مطور حلول الأتمتة الذكية" ويشير د. محمد مصطفى إلى تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025 الذي يؤكد أن السنوات القادمة حتى 2030 ستشهد مزيجًا من خلق ملايين الوظائف الجديدة واختفاء أو تراجع وظائف أخرى.

ويؤكد د. مصطفى أن السوق سيتحول إلى نموذج "العامل المعزز بالذكاء الاصطناعي" حيث لا تكمن القيمة في الإنسان وحده أو التقنية وحدها بل في "الدمج الذكي" بينهما وسيشهد السوق تراجعًا حادًا في الطلب على المهام المكتبية النمطية مقابل ارتفاع هائل في الطلب على المهارات الرقمية والتحليلية والإبداعية وحل المشكلات والعمل عن بُعد.

الحصون المنيعة.. أين تكمن "المناطق الآمنة"؟

رغم هذا الزحف التقني يجمع الخبراء على وجود "حصون بشرية" يصعب على الخوارزميات اقتحامها بالكامل تشير د. منى فتحي إلى أن الوظائف التي تعتمد على التفاعل البشري المباشر أو تتطلب مهارات ميدانية دقيقة ومعقدة مثل الأعمال الهندسية المرتبطة بالبنية التحتية تظل بعيدة عن الاستبدال الكامل وحتى في المجالات الحساسة كالطب تؤكد فتحي أن العنصر البشري يظل ركيزة أساسية فالذكاء الاصطناعي رغم تفوقه في التشخيص يظل غير دقيق بنسبة مئة بالمئة ويفتقر للقدرة على تحمل المسؤولية النهائية.

من جانبه يحدد خالد خليفة المهارات التي تشكل درعًا للموظف وهي "الإبداع المعقد" و"اتخاذ القرار الأخلاقي" و"الذكاء العاطفي" ويؤكد أن مهن مثل الطب والقانون والقيادة لا يمكن استبدالها لأن الذكاء الاصطناعي يفتقر للقدرة على اتخاذ القرار النهائي أو تحمل المسؤولية الإنسانية.

ويعزز د. محمد مصطفى هذا الرأي مشددًا أنه رغم "عدم وجود وظيفة آمنة بشكل مطلق" إلا أن المهن المعتمدة على التعاطف الإنساني والحكم الأخلاقي والتواصل العميق والتفاوض والقيادة والإبداع الحقيقي هي الأقل قابلة للاستبدال ويضع قائمة لهذه المجالات الآمنة نسبيًا وتشمل التعليم المتقدم والرعاية الصحية المعقدة والعلاج النفسي والإدارة والقيادة والبحث العلمي المتقدم لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن "أدوات العمل" داخل هذه المجالات ستتغير جذريًا ويجب على العاملين فيها إتقان التقنيات الجديدة.

be9cf8b932.jpg

المهارة فوق الشهادة.. ثورة في معايير التوظيف

فيما يخص بناء المسار المهني يرى خالد خليفة أن معيار التوظيف العالمي بدأ ينزاح عن "الشهادات الأكاديمية التقليدية" ليركز بشكل أكبر على "المهارات العملية والقدرة على التنفيذ".

ويشير خليفة إلى أن كبرى الشركات العالمية لم تعد تعتمد على الشهادة كمعيار أساسي بل تبحث عن المرونة المعرفية والقدرة على التعلم المستمر ويستدل على ذلك بأن بعض رموز عالم التكنولوجيا حققوا نجاحات عالمية دون إكمال تعليمهم الجامعي لأنهم ركزوا على المهارة التي يحتاجها السوق.

وتؤكد د. منى فتحي على هذا المعنى مشددة على أن "التعلم النظري وحده لم يعد كافيًا" وأن تطبيق المهارات عمليًا هو العنصر الحاسم في التوظيف حاليًا فالأمان الحقيقي للموظف اليوم حسب قولها لا يكمن في شهادته المعلقة على الحائط بل في قدرته على مواكبة التكنولوجيا وتطورها المستمر.

ويضيف د. محمد مصطفى أن المستقبل سيعتمد بشكل كبير على الدمج بين "المهارات التقنية" و"المهارات الإنسانية" مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي لا يغني عن التفكير البشري بل يحتاج دائمًا إلى "عقل إنساني" يوجهه ويطوره ويحلل مخرجاته.

 

الجاهزية العربية.. فجوة وعي لا تكنولوجيا

ختامًا يسلط الخبراء الضوء على واقع الجاهزية في المنطقة العربية يرى د. محمد مصطفى أن الوضع متفاوت بشكل واضح فبينما بدأت دول عربية في وضع استراتيجيات وطنية متقدمة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لا تزال دول أخرى تتعامل مع التكنولوجيا كأدوات مساعدة محدودة.

ويؤكد د. مصطفى ومعه د. منى فتحي أن التحدي الحقيقي الذي يواجه الدول العربية لا يكمن في "امتلاك التكنولوجيا" في حد ذاتها بل في "بناء الإنسان" القادر على استخدامها وهذا يتطلب حسب رؤيتهم الجماعية تحديث التعليم التقليدي وربط المناهج بمتطلبات سوق العمل الجديد وتطوير برامج التدريب المهني وإعادة التأهيل المستمر للموظفين الحاليين ودعم المهارات الرقمية وتبني سياسات واضحة لحوكمة الذكاء الاصطناعي.

وتلخص د. منى فتحي المشهد بأن الفجوة الأساسية في منطقتنا ليست تقنية بل هي فجوة في "الوعي والمهارات الرقمية" وهو ما يتطلب استثمارًا هائلًا في التدريب.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق