لم تكن الواقعة التي تعرضت لها ملكة جمال مصر إيريني يسري مجرد قصة إعجاب عابر خرج عن السيطرة، بل تحولت إلى نموذج مقلق لما يمكن أن تؤول إليه بعض العلاقات الرقمية حين تتجاوز حدودها الطبيعيةـ فبداية من رسائل إلكترونية مكثفة من شاب سوداني يطلب الزواج، وصولًا إلى تتبع فعلي لتحركاتها في منطقة الشيخ زايد، وتهديدها بعد حظره، وجدت إيريني نفسها أمام خطر حقيقي، دفعها لاتخاذ خطوة حاسمة بإبلاغ السلطات وتوثيق كل ما تعرضت له، لتنتهي الواقعة بإلقاء القبض على المتهم واعترافه بوقوعه في “أوهام الحب”.
هذه الواقعة تفتح بابًا أوسع للحديث عن ظاهرة “المعجب المهووس”، التي لم تعد مجرد حالات فردية، بل أصبحت نمطًا متكررًا في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث يسهل الوصول إلى المعلومات الشخصية وتتبع الحياة اليومية للآخرين.
من الإعجاب إلى التهديد.. أين تبدأ الخطورة؟
الإعجاب في جوهره سلوك إنساني طبيعي، لكنه يتحول إلى مصدر تهديد حين يفقد توازنه ويتجاوز حدوده، فالفارق بين الإعجاب الصحي والمطاردة يكمن في احترام المساحة الشخصية،إذ يتوقف الأول عند حدود التعبير اللطيف، بينما يتطور الثاني إلى إلحاح متكرر، ومحاولات مستمرة للتواصل رغم الرفض، وصولًا إلى التتبع الواقعي، وهي المرحلة التي يتحول فيها السلوك إلى خطر حقيقي على الأمان الشخصي، وذلك وفق ما ذكره الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي في حديثه “للدستور”.
لماذا يتحول «المعجب» إلى مطارد؟
غالبًا ما تقف وراء هذا التحول دوافع نفسية معقدة، وهو ما يفسّره الدكتور جمال فرويز، وذلك بأن “هوس العشق” و"هوس المشاهير" يعكسان خللًا في إدراك طبيعة العلاقات وحدودها، ويوضح أن بعض الأشخاص يعيشون في حالة من الوهم العاطفي تدفعهم للاعتقاد بوجود علاقة غير حقيقية، ويمنحون الطرف الآخر مشاعر وصفات غير موجودة، وقد يصل الأمر إلى تصور أن هذا الحب متبادل رغم غياب أي دلائل واقعية.
كما يشير إلى أن التعلق المرضي بالمشاهير قد يدفع البعض لتفسير أي تصرف أو إشارة على أنها رسالة شخصية موجهة إليهم.
ويؤكد فرويز أن المشكلة تتفاقم مع عدم تقبل الرفض، حيث يرى الشخص المهووس التجاهل أو الحظر كنوع من التحدي أو الظلم، ما يدفعه لتصعيد سلوكه تدريجيًا من مجرد إعجاب إلى ملاحقة وربما تهديد.
كيف تتصرفين في مواجهة هذا النوع من المطاردة؟
وفقًا لما يشدد عليه الدكتور جمال فرويز أيضًا فإن التعامل مع الشخص المهووس في مراحله الأولى قد يحتاج إلى قدر من الاحتواء النفسي الهادئ، شريطة ألا يُفهم ذلك باعتباره استجابة عاطفية أو قبولًا ضمنيًا.
ويوضح أن هذا النوع من الاحتواء يشبه ما عكسته شخصية «هنومة» في فيلم «باب الحديد"، من خلال محاولة التعامل بهدوء وكياسة مع السلوك المضطرب لتجنب استفزازه أو دفعه إلى رد فعل أكثر عنفًا.
ويشير إلى أن هذا الأسلوب يظل مناسبًا فقط طالما بقي الأمر في إطار الإلحاح غير المؤذي، أما إذا تطور إلى ملاحقة فعلية أو تهديد مباشر، فإن التدخل الأمني يصبح الحل الحاسم، لأن بعض حالات الهوس لا تستجيب إلا لوضع حدود رسمية واضحة.
من ناحية أخرى يؤكد خبراء في السلامة الرقمية أن توثيق الرسائل والمكالمات وأي تهديدات يمثل خطوة أساسية، ليس فقط للحماية الشخصية، بل أيضًا لتكوين سجل واضح يمكن الرجوع إليه عند الحاجة، ويشيرون إلى أن الحظر وحده قد لا يكون كافيًا في بعض الحالات، خاصة إذا كان الطرف الآخر لديه نزعة إصرار أو تتبع.
كيف تتحول المنصات الرقمية إلى وسيلة تتبع؟
في ظل الاستخدام المكثف لوسائل التواصل، تتحول الحسابات الشخصية إلى مصدر مفتوح للمعلومات، وهو ما يشير إليه خبراء الأمن الرقمي، مؤكدين أن مشاركة التفاصيل اليومية مثل المواقع والصور والروتين اليومي قد تتيح لأي متابع تتبع تحركات الشخص بسهولة، خاصة إذا تم نشرها بشكل لحظي.
تأمين الحسابات.. حماية تبدأ من التفاصيل الصغيرة
ينصح مختصون في الأمن الرقمي بضرورة تقليل مشاركة التفاصيل اليومية، وتعطيل خاصية تحديد الموقع، ومراجعة قائمة المتابعين بشكل دوري، باعتبار أن هذه الإجراءات تقلل من فرص تتبع الحسابات.
وعي المرأة.. خط الدفاع الحقيقي
يتفق الخبراء على أن الوعي هو خط الدفاع الأول، وأن إدراك الفارق بين الإعجاب الطبيعي والسلوك المقلق، والانتباه للإشارات المبكرة، والتصرف بحسم، كلها عوامل تحمي من تطور الموقف، وتبقى تجربة إيريني يسري نموذجًا واضحًا على أن التعامل الجاد والسريع مع التهديد، والاعتماد على التوثيق والدعم الرسمي، يمكن أن يحول مسار الخطر إلى مسار حماية.


















0 تعليق