منذ ما يزيد على ألف عام، يقف الأزهر الشريف في قلب الأمة، لا كمؤسسة تعليمية فحسب، بل كضمير حيّ ومرجعية راسخة، وقلعة سامية تحفظ صحيح الدين وتذود عن السنة النبوية، وتمنح المجتمع توازنه كلما اختل، وبوصلته كلما اضطربت الاتجاهات.
لم يكن الأزهر يومًا خيارًا احتياطيًا، ولا ملاذًا مؤقتًا، بل كان- وسيظل - ضرورة تفرض نفسها حين تتراجع الأخلاق، ويُعبث بالثوابت، ويختلط الحق بالباطل.
وحين تمر المجتمعات بحالات من السيولة الفكرية والانفلات القيمي، ويتجرأ البعض على الدين باسم الحرية، أو يرفع آخرون راية الشك والإلحاد دون علم أو منهج، لا يكون الاحتياج إلى الأزهر ترفًا، بل واجبًا تفرضه طبيعة هذا الكيان الذي حمل على عاتقه - عبر تاريخه -حراسة المعنى قبل النص، والروح قبل الشكل، ولا خيارًا يُؤخذ أو يُترك، بل واجبًا يفرض نفسه، لأن الأزهر- في حقيقته - لا يملك أن يتخلى عن دوره، ولا يملك أن يتقاعس عن مسؤوليته، فهو ليس ملكًا لشخص، ولا حكرًا على إمامٍ أو قيادة، مهما عظُم قدرها، ولا حتى وقفًا على علمائه الأجلاء الذين حملوا أمانته عبر القرون بصدقٍ وتجردٍ وقدموا للأمة علمًا راسخًا ومواقف تُذكر فتُحترم، إنما الأزهر ملكٌ للأمة كلها، وحقٌّ للأجيال المتعاقبة، ومرجعيتهم الكبرى في فهم الدين وصونه، ينتظرون كلمته حين يلتبس الحق، ويرقبون بيانه حين تختلط المفاهيم، ويحتاجون حضوره ليعيد ضبط الإيقاع، ويرسي قواعد الاتزان، ويسترد للمجتمع بوصلته حين تضل الطريق.
ولم يكن هذا الدور يومًا مجرد شعار، بل تجسد في مواقف خالدة لعلماء كبار، شكّلوا بوعيهم واستقلالهم صمام أمان للمجتمع، ويكفي أن نستدعي موقف الإمام العز بن عبد السلام، الذي لم يتردد في حماية المجتمع وصيانة توازنه، في قضية الضرائب زمن سيف الدين قطز كأحد أنقى النماذج في توظيف الفتوى لحماية الضعفاء وصون العدالة الاجتماعية، إذ لم يسمح بأن تُلقى أعباء تجهيز الجيوش على كاهل الفقراء قبل أن تتحملها الطبقات القادرة، فاشترط إفراغ بيت المال أولًا، وأن يبدأ الأمراء وكبار التجار ببذل أموالهم حتى يتساووا مع العامة، رافضًا أن تتحول الضرائب إلى أداة لاستنزاف البسطاء، وبهذه الرؤية، لم تكن فتواه مجرد حكم فقهي، بل كانت درعًا يحمي الفقير من الظلم، ويعيد توزيع المسؤولية على أسس عادلة، مؤكدًا أن الدولة العادلة تبدأ من إنصاف الأضعف، لا من تحميله كلفة ما لا يملك، فوقف وحده ليقيم ميزان العدل ولو على حساب نفوذه الشخصي.
أو تجربة الإمام محمد عبده، الذي خاض معركة شجاعة ضد الجمود والتقليد، ساعيًا إلى إحياء العقل الإسلامي دون أن يمس ثوابته، فقد قاد حركة إصلاحية شاملة لمواجهة الجمود الفقهي والتقليد الأعمى، مرتكزًا على إعمال العقل، وفتح باب الاجتهاد، والعودة لمقاصد الشريعة، والجمع بين الأصالة والحداثة، وسعى لتحرير الفكر من التبعية للمذاهب، وإصلاح مناهج التعليم بالأزهر، وأصدر فتاوى تجديدية غير مقيدة بالجمود المذهبي، داعيًا لنهضة عقلية وعلمية، ومن أبرز ملامح تجربة الإمام محمد عبده أنه اعتبر العقل شرطًا لصحة الإيمان، داعيًا إلى «أعقل كي تؤمن» ورفض التقليد الذي يقتل الإبداع، ودعا إلى الرجوع للقرآن والسنة بفهم معاصر، والتركيز على المقاصد الشرعية (المصلحة) بدلًا من حرفية النصوص الجامدة.
وكذلك حضور الإمام عبد الحليم محمود، الذي أعاد للخطاب الديني روحه في زمن كادت المادية أن تبتلع فيه كل شيء، ولم يقتصر عمل الإمام على التدريس، بل كان مُصلحًا أكاديميًا وإداريًا، فقد أثر في الحياة الفكرية من خلال إشرافه على العديد من الرسائل العلمية، موجهًا طلابه نحو البحث الرصين، وكانت له جهود كبيرة في تحقيق التراث الإسلامي الصحيح، وفي خدمة القرآن والسنة، وقام بطبع مصحف باسم الأزهر ليكون نموذجًا للمطبوعات، وكتب مؤلفات في الحديث الشريف ودلائل النبوة، بل والمثير والسابق لعصره قيامه بتأليف لجنة لدراسة مشكلات الأحاديث الظاهرة التعارض مع القرآن، مما يدل على منهجه العلمي الرصين.
وقد لعب الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود دورًا محوريًا وجوهريًا في الحفاظ على أخلاق المجتمع المصري والعربي، حيث عُرف بكونه عالمًا ربانيًا يجمع بين العلم الشرعي والروحانية الصوفية الصحيحة، مما مكنه من الوقوف في وجه تيارات التغريب والانحلال الأخلاقي، وكان يرى أن مواجهة الغزو الفكري تتطلب تحصين الدعوة الإسلامية وتقويتها، والوقوف بقوة أمام تيار التحلل الأخلاقي، وحارب من أجل الاعتزاز بالهوية الوطنية، مشددًا على أن التربية الأخلاقية لا تنفصل عن العقيدة، وكان حين يخطب الجمعة يجعل من المناسبات الدينية فرصة لترسيخ معاني العزة، والكرامة، وشكر الله، والتواضع، ونبذ الغرور، ونجح الإمام عبد الحليم محمود في أن يكون "ضمير أمة" يحمي قيمها وهويتها في أوقات عصيبة.
ويبقى شيخ الأزهر الحالي الإمام الأكبر الثامن والأربعون، الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، وهو صاحب دور محوري في نشر الوسطية دوليًا، فقد عزز مكانة الأزهر كمنارة للإشعاع الحضاري والإنساني، وحمل راية الدفاع عن حقوق المرأة، ورفض زواج القاصرات، وتولى مناصرة المستضعفين، وأسس بيت الزكاة والصدقات المصري لتخفيف معاناة المحتاجين، كما قاد جولات حوار عالمية لتعزيز السلام.
هذه النماذج لم تكن استثناءً، بل كانت تعبيرًا عن الأزهر حين يكون في حالته الطبيعية: حرًا، متصلًا بالناس، قادرًا على الفعل والتأثير.
لكن المفارقة التي لا يمكن تجاهلها، أن كل حديث عن تطوير الأزهر أو إصلاحه، يُقابل فورًا باتهامات جاهزة، منها استهداف للمؤسسة، أو محاولة لهدم الدين، أو أجندات خفية، وكأن الأزهر كيان لا يُمس، أو فكرة لا تُناقش، حتى ظهر الأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب لا يدافع فقط عن الأزهر، بل أحيانًا يحمي أوضاعًا قائمة، أو يكرّس لسلطة دينية تتحسس أن تُسأل أو تُراجع.
في المقابل، فإن الأصوات التي تطالب بالتطوير لم تأتِ من فراغ، بل خرجت من قلب المجتمع ذاته… من أناس عانوا من فوضى الفتاوى، وتناقض الخطاب، وتراجع بعض القيم، فلم يجدوا ملاذًا إلا الأزهر. لجأوا إليه طلبًا للإنقاذ، لا للهدم… فكانت النتيجة في كثير من الأحيان إحساسًا بأن التغيير لا يزال مؤجلًا، وهؤلاء الذين جاءوا من المجتمع وطالبوا بالتطوير، لم يغب عنهم أن هذا التطوير الذي ينادون به، سعى إليه في السابق أئمة كبار للأزهر، كما فعل العالم الشيخ محمد عبده، مفتي الديار المصرية الأسبق، الذي حارب الخرافات وشجع تطوير مناهج الأزهر لتشمل العلوم الحديثة، ودافع عن الحق في التعليم، وأيضًا الإمام الأكبر محمد مصطفى المراغي صاحب النزعة التجديدية القوية، فعمل على تطوير الأزهر وتحديثه ليتناسب مع متطلبات العصر الحديث، والإمام الأكبر عبد الحليم محمود الذي عرف بالإمام المجدد لربطه الأزهر بقضايا المجتمع الروحية والاجتماعية، واهتمامه الشديد بالتربية الروحية.
ومن هنا، فإن الدفاع الحقيقي عن الأزهر لا يكون بالصمت، بل بالمصارحة. ولا يكون بالتأييد المطلق، بل بالنقد المسؤول، فالمؤسسات العظيمة لا تهتز بالنقاش، لكنها قد تضعف حين تُحاط بهالة تمنع الاقتراب منها.
لقد كانت كل مقالاتي السابقة - على صفحات الدستور أو غيرها - دفاعًا عن الأزهر، ودعمًا لمكانته، واحترامًا لدوره، بل ومساندة للإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب. لكن هذا الدعم لا يعني أن نكتفي بالتصفيق، بل أن نمتلك شجاعة المكاشفة، لأن الاحترام الحقيقي يُبنى على الصدق، لا على المجاملة.
وهنا يفرض السؤال الأهم نفسه بقوة: هل حان الوقت لقانون جديد للأزهر؟!
الإجابة، على نحو لافت، يمكن أن نلمح ملامحها في تصريحات سابقة للإمام الأكبر، حين أشار في حوار قديم لقناة العربية وتصريحات لفضيلته نشرتها جريدة اليوم السابع في 3 مارس عام 2011م، ذكر فيها أن مرحلة حكم جمال عبد الناصر شهدت تقييدًا لدور الأزهر، وأن نظام حكمه كان أول نظام تضعضع فيه الأزهر بعد أن خطط للأزهر أن يعيش في الظلام على حد قول فضيلته، وأنه فضيلته كان طالبا في المرحلة الثانوية في تلك الفترة التي شهدت المد الاشتراكي، وكانت الكتب الاشتراكية الضخمة ونظام ماركس، ومفهوم الدين افيون الشعوب، يباع على الأرصفة وكان فضيلته يشتري الكتاب بشلن ، وتساءل فضيلته ماذا نتوقع من نظام ارتمى في أحضان الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت الذي وصفه بأنه نظام منكر للدين؟
وبطبيعة الحال أجدني مختلفا جملة وتفصيلا مع رأي فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، ولعل من المهم أن أوضح - قبل الخوض في هذه النقطة - أن عدم انتمائي إلى نظام جمال عبد الناصر أمرٌ ثابت في كل ما كتبت ونشرت من مقالات ومؤلفات، فأنا لم أعش تلك المرحلة أصلًا حتى أدّعي إصدار حكم مباشر عليها، ومع ذلك، فإن هذا لا يمنعني من الاعتراف له بمكانته كزعيم وطني وقومي خالد، بما تحمله الكلمة من دلالات في وجدان المصريين والعرب، وفي الوقت ذاته، لا يسلبني هذا التقدير حقي في مناقشة ما طُرح من اتهامات بحقه، خاصة حين تصدر عن قامة بحجم ومكانة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، وفي حديثٍ موثق ما زال متداولًا حتى اليوم على اليوتيوب وشبكة الإنترنت، فالنقاش هنا ليس تصفية حساب مع التاريخ، بل محاولة لفهمه، وقراءة أثره بوعيٍ يليق بحاضرنا، وبمستقبل مؤسسة كالأزهر الشريف.
فما فعله جمال عبد الناصر للإسلام بدون أن يتحدث أو يتاجر بأفعاله يرد على قول شيخ الأزهر في حقه، وهو ما يجب أن تدركه الأجيال حتى لا تتلقى عن جمال عبد الناصر عكس ما أنجزه، ففي عهده تم بناء عشرة آلاف مسجد، وجعل الدين مادة إجبارية يترتب عليها النجاح والرسوب، وقام بتطوير الأزهر وتحويله إلى جامعة عصرية تدرس العلوم الطبيعية مثل الطب والهندسة بجانب الدراسة الدينية، كما أنشأ عبد الناصر مدينة البعوث الإسلامية التي كانت وما زالت تحتضن عشرات الآلاف من الطلاب الأفارقة والآسيويين.
وفي عهد عبد الناصر تم إنشاء إذاعة القرآن الكريم التي انطلقت عام 1961م، لتصبح أعرق محطة دينية في العالم الإسلامي، حيث لعبت دورًا تاريخيًا في حفظ ونشر القرآن الكريم بصوت كبار القراء مثل الحصري وعبد الباسط عبد الصمد، ولها فضلها في نشر الفكر الوسطي، وتعليم التفسير والسنة، وتقديم مادة روحية وتعليمية يومية تعزز الهوية الإسلامية وتواجه التطرف، وتعد مدرسة صوتية جمعت القرآن مسموعًا بعد أن جمع مسطورًا.
وفي عهد عبد الناصر أيضا، تم ترجمة القرآن الكريم إلى كل لغات العالم، وتم تسجيل القرآن الكريم كاملا على أسطوانات، كما تم وضع موسوعة جمال عبد الناصر للفقه الإسلامي التي وزعت مجانا على الدول الإسلامية، وهي مشروع ضخم جدا قامت به وزارة الأوقاف المصرية والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية لإخراج موسوعة فقهية على المذاهب الأربعة والمذاهب الأخرى المشهورة وغيرها، وهي موجودة إلى اليوم ومتوفرة وتباع في معرض القاهرة الدولي بعد أن تم تغيير اسمها إلى موسوعة الفقه الإسلامي، والتي وصلت إلى 48 مجلدا من القطع الكبير حتى الآن.
وفي شهر مضان عام ١٣٨٨ هجري، والموافق التاسع والعشرين من نوفمبر عام ١٩٦٨م، قدم المجلس الأعلى للشئون الإسلامية هدية ضخمة لمؤسسات وبلدان عربية وإسلامية عديدة، وكانت الهدية عبارة عن ١٠٠ مصحف مرتل و١٠٠ نسخة من موسوعة الرئيس جمال عبد الناصر للفقه الإسلامي، و٧٠٠٠ أسطوانة لتعليم شعائر الإسلام وكيفية أداءها مترجمة باللغات واللهجات المنتشرة في أوروبا وأفريقيا والشرق الأقصى.
وهذه الهدية أهديت إلى جامعة فينا، وجامعة بغداد، والمتحف البريطاني في لندن ومكتبة الكونجرس في أمريكا، كما تم إهداء ٣٠ ألف مصحف وكتاب إلى باكستان، واليمن الجنوبية واليمن الشمالية، والمملكة الأردنية الهاشمية، وسيراليون، وماليزيا، والفلبين، والصومال، والسودان، وأوغندا.
كما استجاب مجلس الشئون الإسلامية لرغبة شعب السودان فسجل المصحف المعلم بقراءة الدوري عن أبي عمرو، واستجاب لرغبة الشعب الليبي فتم تسجيل مصحف قالون، كما تم تسجيل المصحف المعلم بقراءة ورش وقراءة حفص للشعوب الإسلامية وذلك ليساهم في تحفيظ القرآن عن طريق هذه المصاحف.
وأنشأ عبد الناصر منظمة المؤتمر الإسلامي التي جمعت كل الدول الإسلامية، وفي عهده تم بناء الآلاف من المعاهد الأزهرية في مصر، وافتتاح فروع لجامعة الأزهر في العديد من الدول الإسلامية، كما وصلت الفتاة لأول مرة إلى التعليم الديني، ثم لا ننسى أن الرئيس عبد الناصر كان أول من واجه تنظيم الإخوان المسلمين، واستندت هذه المواجهة إلى رؤيته بأن الجماعة تسعى لاختطاف الثورة وتحويل مصر إلى إمارة تابعة لتوجهاتهم، بينما كان يريدها دولة مدنية.
أمر آخر مهم جدا، ورغم عدم التيقّن الكامل من صحة توثيق هذه الرواية، فإنها تضيء جانبًا مهمًا من الفكرة، فقد قيل أن أحد المقربين للرئيس جمال عبد الناصر رأى فى إنجلترا نسخة أو مخطوطات من المصحف العثماني الأصلي معروضة فى المتحف البريطاني، على أساس أن بريطانيا قد سرقته من مصر أيام الاحتلال، كما سرقت آثار مصرية فرعونية هائلة، فعاد الرجل إلى مصر وأبلغ عبد الناصر بما حدث، فأسرع عبد الناصر فى اجراءات استعادة المصحف الشريف إلى مصر، ولكن بريطانيا رفضت فصعد عبد الناصر الاجراءات وطالب بريطانيا برد المصحف الشريف، ودارت مباحثات طويلة، وأوكل الأمر إلى الدكتور عبد القادر حاتم، الذى استطاع استرداده بعد جهود مضنية.
هذا التاريخ معروف... سواء رأي فضيلة الإمام الأكبر، وإنجازات الرئيس عبد الناصر، وإذا كان ذلك التقييم صحيحًا، فإننا نكون أمام معادلة تحتاج إلى تفسير واضح: إذا كان القانون الذي وُضع في تلك الحقبة قد ساهم في تقييد المؤسسة… فلماذا لم يُعاد النظر فيه جذريًا حتى الآن؟ ولماذا لم يقدم الأزهر في عهد الإمام الطيب مشروعا جديدا لقانون الأزهر يعيد إليه حريته ويخرجه من مكيدة أنه يعيش في الظلام؟ ولماذا اكتفينا بتعديلات جزئية، لم تمس جوهر البناء، ولم تُغير فلسفته؟
لقد شهد قانون الأزهر رقم (103) لسنة 1961م، تعديلات متعددة عبر السنوات، لكنها في أغلبها جاءت استجابة لظروف محددة، أو لمعالجة قضايا جزئية، دون أن تقترب من الأساس الذي بُني عليه القانون، وظل الإطار العام كما هو، وبقيت العلاقة بين الأزهر والدولة محكومة بنفس المنطق، وكأننا ندور في دائرة مغلقة، نُقرّ بالمشكلة دون أن نواجه أصلها.
وهنا تتضح المعضلة الحقيقية: نحن أمام مؤسسة يُقال إنها قُيّدت… لكنها لم تُقدّم طرحًا قانونيًا جديدًا لتحرير نفسها، وأمام قانون يُنتقد… لكنها لم نستبدله! فهل المشكلة في النص؟ أم في الإرادة التي لم تقرر بعد أن تفتح هذا الملف بجدية؟
ومن أبرز الإشكالات التي يكشفها الواقع، وتُبرز الحاجة إلى قانون جديد للأزهر، ذلك التداخل غير المحسوم في طبيعة العلاقة بين الأزهر والدولة، بما يستلزم إعادة ضبط الإطار الحاكم لهذه العلاقة على نحو يوازن بين الاستقلال الدستوري للأزهر بوصفه مؤسسة علمية دينية مستقلة في قراراتها وشؤونها، وبين كونه جزءًا من بنية الدولة المصرية، بما يجعل استقلاله التنظيمي لا يعني انفصاله عنها، بل يحدد بدقة مسؤوليات الدولة في دعمه وتمكينه، وترسيخ دوره كمرجعية دينية عليا، مع صون اختصاصاته وحقوقه الدستورية.
كما أن القانون القائم لم يعد يستوعب التوسع الهائل في أدوار الأزهر الحديثة، سواء في التعليم قبل الجامعي أو الجامعي أو مراكز الفتوى والخطاب الديني العالمي، بما يفرض إعادة تعريف دقيقة للمهام والصلاحيات، وكذلك يظل ملف تطوير آليات اختيار القيادات وتجديد الدماء داخل المؤسسة من القضايا التي تحتاج إلى رؤية تشريعية أكثر شفافية ووضوحًا، وتوازن بين الحفاظ على تقاليد الأزهر الراسخة وضمان الكفاءة والتجديد، دون قصر شغل المناصب القيادية الأولى والكبرى في مؤسسات الأزهر المختلفة على التخصصات الشرعية والدينية فقط، بما قد يؤدي إلى تهميش الكفاءات المتميزة من التخصصات العلمية الأخرى في مجالات العلوم الطبيعية والتطبيقية، رغم ما قد تمتلكه من أهلية إدارية وعلمية تؤهلها لتولي هذه المواقع، إذ يغلب في الواقع أحيانًا العرف على الحق القانوني في شغل تلك المناصب، بما يحد من فرص التوازن والتنوع في القيادات.
وتبرز أيضًا إشكالية الهيكلة الإدارية للمؤسسة، إذ لم تعد البنية الحالية للأزهر وجامعته وقطاعاته المختلفة مواكبة لحجم الأدوار المتزايدة والمسؤوليات المتشعبة التي يقوم بها، سواء على المستوى التعليمي أو الدعوي أو المجتمعي، فهناك حاجة ملحّة لإعادة النظر في هذه الهيكلة بما يضمن وضوح الاختصاصات، وتكامل الأدوار بين مكوناته المختلفة، وتحديث آليات الإدارة لتواكب متطلبات العصر.
وإذا كان الهدف - الذي لا يمكن التخلي عنه أبدا - هو الحفاظ على مكانة منصب الإمام الأكبر وضمان استقلاليته واعتباره منصبًا غير قابل للعزل، مع ما قد يترتب على ذلك من احتمال امتداد شاغله إلى أعمار متقدمة، فإن ذلك يستلزم أن يُعيد القانون تنظيم هيكل مكتب شيخ الأزهر على نحو دقيق، من خلال تحديد هيئة مكتب، ومجموعة من المستشارين، وأجهزة متابعة وإدارة متخصصة، تُنشأ اختصاصاتها وخبراتها بقوة القانون لا بمجرد الاختيار أو التقدير الشخصي، بما يضمن توافر كوادر ذات كفاءة ومعايير واضحة قادرة على معاونة الإمام الأكبر في أداء مسؤولياته المحلية والإقليمية والدولية، ودعم قدرته على إدارة المنظومة بكفاءة وفاعلية بصرف النظر عن العمر أو المرحلة الزمنية.
كما يستلزم التطوير التشريعي كذلك إنشاء جهاز رقابي داخلي متخصص يتبع مكتب الإمام الأكبر مباشرة، تكون مهمته متابعة أداء مؤسسات الأزهر المختلفة ورصد كفاءة التنفيذ الإداري والمالي والعلمي، مع تقديم تقارير دورية موضوعية تدعم عملية اتخاذ القرار وتعزز الشفافية والانضباط المؤسسي، دون المساس باستقلالية المؤسسات أو طبيعتها الأكاديمية والدعوية، ودون الإخلال بسلطات الإمام الأكبر وحقه في اختيار معاونيه وفق اشتراطات ومواصفات لشغل هذه الوظائف الحساسة يحددها القانون بما يحقق الكفاءة والحوكمة.
إن تطوير هيكلة الأزهر لم يعد مجرد تحسين إداري، بل أصبح ضرورة تشريعية وتنظيمية لضمان كفاءة الأداء، وتعزيز القدرة على التأثير، وتفعيل دوره كمرجعية دينية وعلمية قادرة على الاستجابة للتحديات المعاصرة بفاعلية واتزان، فالحديث عن قانون جديد للأزهر ليس صراعًا على النفوذ، ولا محاولة لإعادة تشكيل المؤسسة وفق أهواء، بل هو ضرورة لإعادة تعريف الدور، وتحديث الأدوات، وبناء إطار قانوني يليق بتاريخ الأزهر، ويواكب تحديات الحاضر.
قانون يعيد التوازن بين الاستقلال والمسؤولية، ويمنح الأزهر القدرة على التجديد دون أن يفقد ثوابته، ويفتح الباب أمام خطاب ديني منضبط، واضح، قادر على مواجهة الفوضى.
السؤال لم يعد نظريًا… بل أصبح اختبارًا حقيقيًا للإرادة... إذا كنا نؤمن بدور الأزهر… فهل نملك الشجاعة لنمنحه القانون الذي يستحقه؟ وللحديث بقية.















0 تعليق