الثلاثاء 05/مايو/2026 - 11:26 ص 5/5/2026 11:26:23 AM
في 19 أغسطس 1968وُلد أشرف البولاقي في مدينة قنا وفي 23 أبريل 2026 رحل عن دنيانا الفانية في مدينته نفسها، بشكل فجائي، صادما أهله وأحبته وأصدقاءه صدمة هائلة (أشرف علي عبد اللطيف خليل أحمد البولاقي- 57 عاما)... قبل موته، بفترة وجيزة، كان يزور بيتي على الدوام، كنت مريضا ومنهكا للغاية، وكان يلازمني تقريبا، تذهب زوجتي بطفلتينا إلى مراكز الدروس الخصوصية، وهو يبقى معي حتى عودتهن مخافة أن أسقط على الأرض سقطة مهينة مؤسفة، أو أحتاج إلى شيء ضروري بعيد عن يدي، ولا أقوى على التمشي إلى موضعه. البنتان وأمهما كن يتأخرن في بعض الأحايين على حسب ما يكون مرادا من متطلباتنا الضرورية التي قد يجلبنها من أماكن نائية، وكنت أحثه وقتذاك على العودة إلى بيته، لكنه كان يأبى مصرا على الانصراف مع عودتهن ليكون مطمئنا...
أنا من كنت اخترته لهذه الرفقة الراعية، وهو لبى مسرعا إذ اصطفيت ظلاله، جالسني ساعات طوال تخطى عدنا لأحزانها وأفراحها أيامها القليلات التي قضيناها معا منذ أواخر رمضان الفائت إلى ما بعد العيد (تعبي كان أسبق، إلا أنني ناديته في التوقيت الذي ألهمتني خواطري نداءه فيه)، كنا نتحاور في أمور شتى بطول جلساتنا، وكنا نسكت أيضا شاعرين بأن الكلام كله انتهى بانتهاء أعوام قديمة كانت أجمل من أعوامنا الحالية بالفعل، وكنا عشناها أخوي طريق إنساني يجلله الوفاء والصدق وآخر فني ممتع وصعب، لا يتفارقان ولو تفارق التوأمان!
لا أكرر هنا حديثا قيل، باستفاضة، عن أشرف الشاعر والكاتب والمفكر والباحث والناقد والمثقف والإداري الثقافي الممتاز الفارق (مدير قسم الثقافة العامة بفرع ثقافة قنا لسنوات طويلة)؛ فالإنترنت وافر المعلومات عن شخصيته المبدعة اللامعة، وعن أطروحاته المهمة التي شكلت، باضطراد نشرها، مشروعا عقليا ووجدانيا نيرا متكاملا شديد الفاعلية، لكنني لا أنسى بهذا الصدد أنه اعتبرني، وبجانبي صديقنا رفيع المقام فتحي عبد السميع، ركيزتين أساسيتين في تجربته المعرفية بأسرها، والمدهش أنه ظل يصدح بالأمر حتى بعد أن صار أستاذا كبيرا له تلامذته ومريدوه وحراس كلماته... إنني أركز هنا على الجانب الإنساني الذي أعرفه عنه، ومعي صحبة مبدعة أصيلة الود مقربة إليه طبعا، وأخص السادة الموقرين أحمد الجعفري (أسيوط- القاهرة) وعمرو الشيخ (البحيرة) وعبيد عباس ومصطفى جوهر (قنا)، أعني الجانب الممتلئ بحكاياته الشائقة الجذابة، وفكاهته وسخريته اللتين كانتا تجعلان محيطه يضحك من القلب، وتسامحه إلى درجة قصوى، ونفاذه الصائب إلى أعماق الشخوص، وإن لم يلتق بهم سوى مرة أو اثنتين، كأنه، بإقرار مخالطيهم، مرآتهم الحقانية كاشفة ما تحت مظاهرهم، كذلك انسلاله من زحام لا يروقه بلا مشكلات، وصونه لأسرار قاصديه الشاكين، وتشجيعه لناديه الأبيض محترما زهو اللون الأحمر للمنافس التقليدي وألوان المنافسين كافة، وثم مزايا إنسانية لا حصر لها، بل حتى طريقته الخاصة في تذوق الطعام والتلذذ به، وقد كانت كفاتح شهية يحفز الآخرين إلى اتباع آليته الرائقة في الأكل، وأخيرا علاقاته الكثيرة التي لم يكن أحد يعرف خفاياها غيره، وقد كان متعدد الأسفار، حقيبته جاهزة بانتظام، ويملك هاتفين محمولين لا يكفان عن الرنين من كل بقعة في أنحاء وطننا العزيز الشاسع، إلا أن علاقاته كانت بريئة بجملتها وخالية من المصالح، ذلك كان واضحا كالشمس في رائعة النهار؛ فصاحبنا كان يحوي طفلا خليصا بداخله، وكان من المستورين الشرفاء قطعا لا ظنا.
كانت لصديقي أخطاء كالجميع، بيد أن أخطاءه كانت صغيرة وعابرة على العكس من أخطاء أكثرية الباقين، ويحسب له أنه كان يتوخى مراجعة النفس، ولا يجد حرجا في الاعتراف بالخطأ، والاعتذار إلى من أخطأ في حقهم بتندم راق يمحو الخصومات، لكن، للأمانة، لم تكن صفحات صديقي تخلو مما يمكن نسبه إلى اختلال تقديراته للأمور واضطرابها، بيد أن ذلك كان استثنائيا ونادرا، وأتذكر له جيدا أنه كان يفضل التجمع على العزلة، لكنه خلق موعدا مقدسا، على رأس مواعيده، كان يهرب فيه من التشويش منفردا بنفسه!
شعرت من كلامه، ومن سكوته بالمثل، أقصد في الوقت الأخير الذي لازمني فيه لمرضي، أنه فاقد للشغف إلى حد كبير، لم يعد مغرما بالأشياء كغرامه الأول الحميم، ولكن الموضوع لم يقلقني للأمانة؛ فأكثرنا محبطون، وأما الذي أقلقني عليه حقا فغرقه المقابل في همومه الاجتماعية والاقتصادية، بصورة جديدة بدت ساطعة العدم، ولعلي أحسست أنها قد لا تمكنه من السباحة إلى الشاطئ الآمن بعدها؛ ومن ثم النجاة بموهبته العملاقة المتفجرة.
كان، مثلا، يتفلسف بشأن الزواج والحب، ويمعن في التفلسف بدون أن يدرك نهايات شافية، وكان يسأل أحيانا بحسرة تامة: ماذا سيفعل بمعاشه الضئيل، وقد اقترب أوانه، هو الذي لا يكفيه راتبه الأصلي؟...
لم يكن ينتظر مني إجابة، ولا كانت عندي إجابة أصلا، غير أننا، بضجر واحد، كنا نبدو كأننا نلعن ظروفا قاسية جعلت سعي المتميز كسعي العادي، هكذا على الرغم من ميلنا إلى المساواة المادية والمعنوية بين البشر، لكن يبدو أن غرور الوعي الشخصي ركب رأسينا في حالتي تذمر تأججت ناراهما في ساعة واحدة، كلانا خائفان، غير أن يأسا فادحا بدا محيطا بنفسيته شديدة الرهافة، أنا خائف من المرض الذي استشعرت أنه ممتد الأثر، خائف من المصير السيئ المحتمل، ومن نفاد ما لدي من نقود تكفي حياة بيتي بالكاد بعيدا عن الأطباء والأدوية ومعامل التحاليل، ومن إحساسي بالوحدة وسط كتبي وآرائي وأهلي وجموع المحبين الملتفين حولي، وهو خائف مع صحته الجيدة، خائف من بلوغ معاناته الإصلاحية ذروتها؛ لأن معظم ما يجري أمام ناظريه، عندنا وفي العالم المرئي برمته، ما يزال يخالف أحلامه وطموحاته التي دفع ثمنها غاليا من دمه وأعصابه، ولأنه رام الجدوى فإذا اللاجدوى كأنها مكتوب المكافحين بصفحات الأقدار!
نال أشرف جوائز أدبية عديدة، لكنها كانت دون ما يبل الريق ويرمم تشققات الروح، ونال تكريمات سابغة، لكنها كانت أدنى من استحقاق اسمه الضخم بكثير (لا تصدقوا الكذبة المتباكين عليه الآن من أصحاب مفاتيح العطاء والمنع في دائرتنا القلمية المبتلاة بالاحتكاريين والأدعياء).
"البولاقي الجبار"... كان ذلك لقبه المفضل في مراحل مبكرة من عمره، ومن بينها دراسته في كلية دار العلوم التي لم يحصل على شهادتها لفرط جداله مع أساتذتها، وظل بمؤهل الثانوية العامة المتوسط، كان يعتز بلقبه المذكور أبلغ اعتزاز، ويخبر به خلصاءه فخورا، ويشعر مع ترديده بالقوة والثقة وسرمدية الوجود، ولقد كانت المنايا أحد أكبر شواغل أبي هند التقدمي الفصيح، الحائر وراء الحقيقة، حتى خطفته منيته بالأحضان المتشوقة بلا مقدمات... كانت الخاتمة، كما علمت من ذويه، ألما مباغتا حادا ومتكررا في الصدر، صدره الذي هو مستودع فؤاده المعذب، وقد كان هذا الألم أقرب به إلى المقبرة من قربه به إلى المستشفى (يرحمه الله ويديم فوحان عطره).


















0 تعليق