في خطوة طال انتظارها، أعلنت الحكومة موافقتها على مشروع قانون الأسرة المصرية، وإحالته إلى البرلمان، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية بضرورة صياغة قانون عصري يواكب التحولات الاجتماعية ويحفظ تماسك الأسرة المصرية.
هذه الخطوة تُحسب للحكومة، ليس فقط لجرأتها في فتح أحد أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية، ولكن أيضًا لاستجابتها لسنوات طويلة من الجدل المجتمعي حول قانون لم يعد يعكس واقع العلاقات الأسرية في مصر.
الحديث هنا ليس عن تعديل بسيط، بل عن إعادة صياغة فلسفة كاملة تحكم الأسرة، بما يحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، ويضع مصلحة الطفل في صدارة الأولويات.
لكن، ومع بدء مناقشات البرلمان المرتقبة، تبرز ضرورة شديدة الأهمية وهو ما يحتم علينا أن نوجّه رسالة قوية للسادة النواب بألا تتحول الحالات الفردية إلى أساس لصياغة التشريع.
فالقوانين لا تُبنى على قصص شخصية، مهما كانت مؤثرة أو صادمة، وإنما تُصاغ بناءً على رؤية شاملة تأخذ في الاعتبار ملايين الحالات، لا استثناءات بعينها، فالخطر الحقيقي أن ينحرف النقاش من منطق “ما هو الأصلح للمجتمع ككل” إلى “ما الذي حدث مع فلان أو علان”، وهو ما قد يؤدي إلى تشريع مشوّه يعالج حالات بعينها ويظلم غيرها.
نحن أمام قانون هو الأهم في حياة المصريين، لأنه يمس استقرار كل بيت، ويحدد مصير كل أسرة، ويرسم ملامح العلاقة بين الأب والأم والأبناء لعقود قادمة، ويؤثر في علاقات الأبوة والأمومة، والنفقة، والرؤية، والحضانة، وغيرها من الملفات الحساسة، لذلك، فإن المطلوب هو نقاش قائم على الدراسات، والخبرة، والاستماع لكافة الآراء، بعيدًا عن الضغوط والانفعالات، فالحالات الفردية، مهما كانت مؤثرة أو صادمة، لا يجب أن تكون الأساس الذي يُبنى عليه قانون بهذا الحجم.
فالتشريع لا يُكتب استجابة لقصة بعينها، ولا لعاطفة لحظية، بل يُصاغ بعقل يوازن بين الحقوق، ويستوعب تنوع الواقع، ويضع مصلحة المجتمع ككل فوق أي اعتبار.
فإن أخطر ما قد يواجه مناقشات هذا القانون هو الانزلاق إلى نماذج فردية يتم تعميمها، فتتحول الاستثناءات إلى قواعد، وتُظلم قطاعات واسعة من المجتمع دون قصد.
العدالة الحقيقية لا تتحقق بإرضاء طرف على حساب آخر، وإنما بإيجاد توازن دقيق يحمي الجميع، خاصة الأطفال الذين يظلون الطرف الأضعف في أي نزاع أسري.
فأنتم يا نواب البرلمان أمام فرصة تاريخية لكتابة قانون عادل ومستقر، يُنهي سنوات من الجدل والمعاناة، فلا تُضيّعوا هذه الفرصة بالانحياز للحالات الفردية، بل انحازوا لمستقبل الأسرة المصرية ككل.
فهذه ليست مجرد تعديلات تشريعية، بل إعادة بناء لأحد أهم أعمدة المجتمع، وإذا أُحسن التعامل مع هذه اللحظة، فقد نشهد ميلاد قانون يحقق العدالة ويحمي الأسرة المصرية لسنوات طويلة، أما إذا طغت الحسابات الضيقة والانفعالات، فقد نفقد فرصة تاريخية لن تتكرر بسهولة.
















0 تعليق