50 عامًا من الدم.. كيف وثق مختار نوح مسار العنف داخل الجماعات الإسلامية؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أُعلن اليوم، الأربعاء، عن وفاة المحامي مختار نوح والباحث في شئون الجماعات الإرهابية، وتُؤدى صلاة الجنازة عقب صلاة العصر في مسجد مصطفى محمود بمنطقة المهندسين، قبل نقل الجثمان لدفنه في مقابر الأسرة بمدينة السادس من أكتوبر.

للراحل إسهامات عديدة في مواجهة الجماعات الإسلامية في مصر، أبرزها كتابه «50 عامًا من الدم» الذي يقدم فيه قراءة توثيقية ممتدة لتاريخ الحركات الإسلامية المسلحة في مصر، مستندًا إلى خبرة مهنية امتدت لعقود داخل ساحات التقاضي وقضايا التنظيمات المتشددة، وما ارتبط بها من ملفات العنف والتفجيرات والصدام مع الدولة، ووجوده ككادر داخل جماعة الإخوان لأكثر من ربع قرن، قبل أن ينفصل عنها.

جاء كتابه في سياق مشروع فكري يسعى إلى تفكيك البنية الفكرية والتنظيمية لتلك الجماعات، من خلال الجمع بين الوثائق القضائية، واعترافات المتهمين، وتحليل المسارات الفكرية التي قادت إلى العنف، وصولًا إلى ربطها بآليات التنفيذ على الأرض.

يرصد نوح في مطلع كتابه التحول الجذري الذي شهدته الساحة الإسلامية في مصر عقب قرارات الإفراج عن قيادات التيار الإسلامي في السبعينيات، حيث يرى أن تلك المرحلة لم تنتج تيارًا واحدًا، بل أفرزت تشظيًا تنظيميًا وفكريًا، انقسمت معه الجماعات بين اتجاهات دعوية وأخرى تبنت العنف كخيار استراتيجي.

ويؤكد أن خروج هذه التيارات من السجون لم يكن نهاية المواجهة، بل بداية مرحلة جديدة من إعادة التشكيل الأيديولوجي، التي مهدت لاحقًا لظهور موجات متتالية من العمليات المسلحة خلال العقود التالية.

يعتمد الكتاب على أرشيف واسع من الوثائق، من بينها قصاصات صحفية نادرة، ومحاضر تحقيقات، وملفات قضايا بارزة مثل «الفنية العسكرية»، إلى جانب تحليل قضايا مثل «التكفير والهجرة» ومقتل الشيخ الذهبي، بوصفها نماذج حادة لتجذر فكرة العنف داخل بعض التنظيمات.

ويركز نوح على البعد الفكري في تفسير الظاهرة، عبر تتبع العلاقة بين الفتاوى المتشددة وآليات التنفيذ، وكيف تحولت بعض التأويلات الدينية إلى مبررات مباشرة لاستخدام القوة وإراقة الدماء.

يتطرق الكتاب إلى إشكالية العلاقة بين السلطة والجماعات الإسلامية، مقدمًا رؤية نقدية للسياسات الأمنية في تلك المرحلة، حيث طرح "نوح" فرضية مفادها أن بعض مقاربات الاحتواء أو التوظيف السياسي غير المباشر لتلك الجماعات أسهمت في تعقيد المشهد لاحقًا، وانتهت إلى انفجارات عنيفة لاحقة تجاوزت التوقعات.

لا يكتفي مختار نوح في «50 عامًا من الدم» بالتأريخ، بل يقدم قراءة نقدية تهدف إلى فهم جذور التطرف، وتفكيك آلياته، وتحليل تحولات الخطاب داخل التنظيمات، بما يعكس رؤية ترى أن مواجهة العنف لا تنفصل عن تفكيك بنيته الفكرية بقدر ما ترتبط بالمواجهة الأمنية.

الكتاب يمثل امتداد لمسار طويل من الشهادات والتحليلات التي قدمها نوح، بوصفه أحد الذين انتقلوا من داخل التنظيمات إلى موقع الشاهد والناقد، في محاولة لقراءة تاريخ ممتد من الصراع المسلح والفكري في آن واحد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق