بعد رحيله.. محطات صراع مختار نوح مع جماعة الإخوان

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

امتدت رحلة المحامي والمفكر مختار نوح، الذي وافته المنية في الساعات الأولى من صباح اليوم مع جماعة الإخوان الإرهابية لنحو ربع قرن، قبل أن تتحول لاحقًا إلى واحدة من أكثر المواجهات الفكرية والإعلامية حدة مع التنظيم، بعدما انتقل من موقع العضو القيادي إلى أحد أبرز الشهود على بنيته الداخلية وتناقضاته، محاولا كشف زيف التنظيم ومواجهته.

بدأت علاقة نوح بالجماعة في أواخر سبعينيات القرن الماضي، متأثرًا بمناخ ما بعد حرب أكتوبر 1973 وخطابات العدالة الاجتماعية، قبل أن يشكل لقاؤه بالمرشد العام آنذاك عمر التلمساني نقطة التحول التي دفعته للانضمام إلى التنظيم، مقتنعًا حينها بأنه مشروع إصلاحي قادر على تحقيق طموحات التغيير الاجتماعي.

خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، صعد نوح داخل هياكل الجماعة بالتوازي مع حضوره النقابي والبرلماني، حيث شغل عضو مجلس نقابة المحامين وانتُخب عضوًا بمجلس الشعب عام 1987، قبل أن تبدأ ملامح الشكوك في التشكل لديه مع اتساع نطاق تجربته التنظيمية.

ومع منتصف التسعينيات، بدأت تتكشف أمامه ملامح ما وصفه بـ«التنظيم الخاص»، وهو كيان سري يدير القرار الحقيقي داخل الجماعة، بعيدًا عن الواجهة العلنية، ما مثّل نقطة التحول الكبرى في رؤيته، ودفعه إلى إعادة تقييم بنيتها الفكرية والتنظيمية.

وجاءت تجربة السجن بين عامي 1999 و2002 في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«اختراق النقابات المهنية» لتشكل لحظة فاصلة، أعاد خلالها مراجعة قناعاته بالكامل، قبل أن يعلن في عام 2003 خروجه النهائي من الجماعة.

مرحلة الصدام المباشر

لكن هذا الخروج لم يكن نهاية العلاقة، بل بداية مرحلة صدام مباشر، إذ أكد نوح أن الجماعة أطلقت ضده حملات تشويه واسعة استهدفت اتهامه بالخيانة ومحاولة إجباره على التراجع، إلى جانب ضغوط امتدت إلى محيطه المهني والاجتماعي.

وقال إن هذه الضغوط شملت محاولات لتقييد عمله وإضعاف مصادر دخله، فضلًا عن مساعٍ لعزله اجتماعيًا داخل الوسط المهني، في إطار ما اعتبره محاولة منظمة لإسكات صوته ومنع استمرار شهادته من داخل التجربة.

ورغم ذلك، اتجه نوح إلى تثبيت موقعه كـ«شاهد من الداخل»، مستندًا إلى خبرته التنظيمية السابقة، ليقدم سلسلة من الروايات حول بنية الجماعة وآليات عملها، مؤكدًا أن «التنظيم الخاص» كان يتحكم في مفاصل القرار، وأن العنف كان حاضرًا كأداة ضمن أدوات التمكين السياسي.

كما حمّل نوح جزءًا كبيرًا من التحول الفكري داخل الجماعة إلى تأثيرات فكر سيد قطب، معتبرًا أن مفاهيم مثل الحاكمية وجاهلية المجتمع أسست لخطاب يصطدم بالدولة والمجتمع ويبرر السعي للسلطة بأي وسيلة.

ومع أحداث يناير 2011 وما بعدها، شدد نوح على أن الجماعة استخدمت أدوات تنظيمية لإدارة المشهد من خلف الكواليس، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى مرحلة أكثر حدة من المواجهة الفكرية خلال فترة حكم الإخوان 2012–2013، حين اتهمهم بمحاولة السيطرة على مؤسسات الدولة فيما عُرف إعلاميًا بـ«أخونة الدولة».

وفي سنواته الأخيرة، ظل نوح حاضرًا في النقاش العام باعتباره أحد أبرز الأصوات الناقدة للجماعة من داخلها، مقدّمًا شهادات تفصيلية عن بنيتها التنظيمية، ومؤكدًا أن المواجهة مع الإخوان ليست سياسية فقط، بل فكرية بالأساس، لأن «الفكرة أخطر من التنظيم ذاته».

وبين الانتماء القديم والمواجهة الممتدة، بقيت تجربة مختار نوح واحدة من أكثر المسارات إثارة للجدل في ملف الإخوان، إذ جمعت بين المعرفة الداخلية والتدرج ثم الانشقاق والصدام العلني والمواجهة الحادة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق