في ظل التحول الرقمي المستمر في جميع القطاعات، تجد وزارة الثقافة المصرية نفسها في صراع داخلي بين التقليد والتكنولوجيا، خاصة فيما يتعلق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في ترجمة المحتوى الثقافي.
بعد اللقاء الذي جمع المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، لمناقشة سُبل تعزيز الرقمنة داخل الوزارة ودعم استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات مختلفة، بما في ذلك ترجمة النصوص الثقافية، أصبح الأمر موضع جدل واسع بين المترجمين والكتّاب.

بينما يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة في تسريع العمل، يشدد آخرون على أن الترجمة لا يمكن أن تقتصر على الآلة فقط، حيث أن التفسير البشري ضروري لفهم السياق الثقافي والفكري للنصوص.
فهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل المترجم البشري؟ أم أن هذه خطوة قد تؤدي إلى تدهور جودة الترجمة في مجالات الثقافة والفكر؟
عقب الإعلان عن المبادرة التي تهدف إلى دمج الذكاء الاصطناعي في مجال الترجمة، انقسم الكتاب والمترجمون حول جدوى هذه الفكرة.
البعض يرى فيها تطورًا مفيدًا في عملية الترجمة وتيسيرًا للوقت، بينما يعتبر آخرون أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحل محل العقل البشري الذي يفهم التعقيدات الثقافية والفكرية في النصوص؛ وهو ما نحقق فيه:
مارك مجدي: الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن المترجم البشري
في البداية، تحدث المترجم مارك مجدي عن ملاحظاته حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الترجمة، قائلاً: "الافتراض بأن الترجمة يمكن أن تتم بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي هو أمر خاطئ".

وأوضح مجدي في تصريحاته لـ"الدستور" أن الذكاء الاصطناعي يقتصر على استخدام نماذج لغوية مسبقة، مما يجعله يكرر أنماطًا مشابهة لترجمات سابقة، وهو ما لا يتناسب مع النصوص ذات الخصوصية الثقافية.
وأضاف: "عند استخدام الذكاء الاصطناعي لترجمة نص فلسفي مثلًا، ستجد أن مفاهيم قد تُترجم بطريقة لا تعكس معناها الحقيقي، مثل ترجمة كلمة "السلطة" إلى "السلطة السياسية"، بينما قد يختلف المعنى باختلاف الفيلسوف الذي يكتب عن السلطة باعتباره شبكة علاقات".
كما أشار مجدي إلى أن الذكاء الاصطناعي يواجه صعوبة في فهم التفاوتات الدقيقة بين المفاهيم الثقافية والفكرية، مؤكدًا أنه يجب أن تكون هناك عملية تحرير بشرية لاحقة (Post Editing) لضمان دقة الترجمة.
الدكتور محمد نصر الجبالي: الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لا بديلًا
من جانبه، أكد الدكتور محمد نصر الجبالي، مدير المركز القومي للترجمة، أن الهدف من استخدام الذكاء الاصطناعي في الترجمة هو توفير أداة مساعدة في عملية الترجمة، وليس استبدال المترجمين البشر.

وقال الجبالي لـ"الدستور": "المشروع لا يهدف إلى أن تحل الآلة محل المترجم، بل إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في مرحلة التحرير اللاحق للنصوص، post editing و تحديدا في الكتب التي تتعلق بالعلوم الاجتماعية و الطبيعية و ليس الادب و الفلسفة من خلال تدريب شباب المترجمين على كيفية تحرير النصوص الناتجة عن الآلات وتطوير مهاراتهم في الترجمة البشرية" و تحت اشراف اكاديمي كامل و مراجعة من اساتذة جامعيين
وأكد الجبالي أن المشروع يهدف إلى مساعدة المترجمين الشباب على تطوير مهاراتهم في الترجمة وتحسين قدراتهم على استخدام التكنولوجيا بشكل صحيح. كما يتم تدريبهم على مضاهاة الترجمة البشرية بالترجمة الآلية
و أشار إلى أن التحرير اللاحق او البعدي للترجمة اصبح من المقررات الدراسيه الهامة التي تدرج في اللوائح الحديثة لبرامج كليات اللغات
وأضاف: "هذه التكنولوجيا ستكون أداة دعم وليست بديلاً عن المترجمين، اما الترجمة الأدبية والنصوص الإبداعية و الفلسفية فإنها تتطلب دائمًا تفاعلًا بشريًا عميقًا و من المستحيل استبدالها بالذكاء الاصطناعي.
الدكتورة سهير المصادفة: اللغة العربية تواجه تحديات في الذكاء الاصطناعي
أما الدكتورة سهير المصادفة، فقد أبدت قلقها من أن الذكاء الاصطناعي لا يزال يواجه العديد من التحديات في التعامل مع اللغة العربية.

وأوضحت المصادفة أن النماذج اللغوية المستخدمة حاليًا لا تحتوي على تغذية كافية للغة العربية، مما يؤدي إلى ترجمات ضعيفة أو غير دقيقة.
وقالت لـ"الدستور": "الترجمات التي تتم عبر الذكاء الاصطناعي تكون سيئة للغاية إذا كانت المدخلات اللغوية غير كافية، وخصوصًا في اللغة العربية التي لا تلقى الاهتمام ذاته مثل اللغات الأخرى مثل الإنجليزية والروسية".
وأضافت: "من الضروري أن نعمل على تعزيز النماذج اللغوية الخاصة باللغة العربية من أجل تحسين مخرجات الترجمة".
وأشارت المصادفة إلى أن هذا التحدي يشمل ليس فقط الترجمة، بل أيضًا التأليف والتصحيح، حيث أن الكثير من "المتحايلين" يستخدمون هذه الأدوات بشكل خاطئ.
وأكدت أن الثقافة هي عنصر أساسي يجب أن يكون تحت سيطرة كاملة، وأن على الدولة توفير حلول جذرية من خلال تطوير نظام تعليمي يعزز من مستوى فهم اللغة العربية ومهارات الترجمة.
التحديات المستقبلية وحلول محتملة
في خضم هذا الانقسام حول استخدام الذكاء الاصطناعي في ترجمة المحتوى الثقافي، تتوالى الأسئلة حول كيفية استخدام هذه التكنولوجيا بالشكل الأمثل دون التأثير على جودة الترجمة.
ومع تقدم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، تظل الحاجة إلى تدخل بشري ضروريًا لضمان الحفاظ على العمق الثقافي والفكري للنصوص.
وبينما يسعى البعض لاستخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة للمترجمين، يرى آخرون أن التكنولوجيا بحاجة إلى تطور مستمر لضمان ملاءمتها للغات مثل اللغة العربية التي تتطلب دقة فائقة في نقل المفاهيم.
وفي الختام، لا يزال النقاش قائمًا حول كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في عملية الترجمة، وتبقى الحاجة إلى توازن بين التكنولوجيا والإنسان في هذا المجال أمرًا لا يمكن تجاهله.

















0 تعليق