الجدل والدجل

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

فكما يموت الناس، مات من أثار جدلًا في حياته وبعد رحيله. عاش كما اختار: دجالًا شعبويًا، وحقق برحيله ما كان يريده من شهرة وجدل. اختار الجدل أسلوبًا للحياة، مدعيًا أن في جدله حياة وشفاء لكل داء ولكل عليل، يتشبث بحبال الكون الذائبة ليبقى على قيد تلك الحياة القاسية والعبثية أيضًا. فقتله جدله و(دجله)، وكان نظامه هو قاتله كذلك، ورغبته في الاختلاف (والخلاف) والصراع، فراح عبثًا وكمَدًا كمن كان ينتحر ببطء ويسير إلى الموت بقدميه بعد أن زجّ بآخرين لذات المصير.

عاش كالشريك المخالف، رافعًا شعار «خالف تُعرف»، وهذا الاختزال غير المخل للمثل الشعبي قد أصاب الهدف ونسجه العقل الجمعي الشعبي العبقري رغم بساطته. فخالف الطبيب الراحل كل ما تعلمه وتعلمناه، خالف المعروف من العلم بالضرورة من أجل المعروف من الجدل والإيحاء بالضرورة. فتحدث عنه القاصي والداني بعد ما أثاره من زوبعات كشفت لنا أشياء عديدة، هامة ومخيفة. فكمّ ونوع من صدق خزعبلات ذلك الطبيب الراحل أمر يدعو للقلق، ويدعو حقًا إلى التأمل ومراجعة الأسباب والدوافع التي أوصلت هؤلاء لذلك، واعتبارهم الخرافة طريقًا ومخرجًا وعلاجًا للعلل.

فمن ادعى علاج العلل كان عليلًا له مريدون، وأن يكون لطبيب ما مريدون من الأساس فهذا شيء مخيف يستحق الوقوف أمامه طويلًا. فمنذ متى صارت مواقع التواصل الاجتماعي مكانًا للعلاج والطبابة؟ وهل نجاح الطبيب يُقاس بعدد المشاهدات التي تأتيه على السوشيال ميديا أم بعدد الحالات التي شُفيت بعد ترددها على عيادته؟ ويجب وضع ألف خط تحت كلمة «عيادته».

الطبيب الشهير هو من تزدحم عيادته، ومن يُشهد له بالخبرة في شفاء المرضى شفاءً حقيقيًا لا علاقة له بالإيحاء. أما اليوم، فصار نجاح الطبيب يُقاس بعدد اللايك والشير والريلز التي أنتجها، والريتش الذي حصل عليه، وأصبح المعيار ومقياس التفاضل في قضية العلاج شديدة الغرابة، بل وشديدة البؤس. وهنا لا فرق بين عالم وعالمة، ولا فرق بين طبيب أو مغنٍ أو مذيع أو لاعب كرة، بعد أن هرولوا جميعًا إلى العالم الافتراضي من أجل الظهور والشهرة، وبالطبع التربح.

وصار الطبيب نجمًا يؤثر في الجماهير، وصار مكانه المنصات والشاشات وخشبات المسارح. في حين أن طبيبًا مثل الدكتور مجدي يعقوب لا يُرى إلا مرتديًا زي الجراحين الأخضر، ولا نراه إلا وهو يسير في أروقة مركزه الطبي أو في غرفة عملياته. تتهافت القنوات للتصوير معه، وليس العكس؛ فلم يسعَ هو أبدًا للظهور، بل طاردته الكاميرات والأضواء، والشهرة سعت إليه ولم يسعَ إليها.

وعلى النقيض تمامًا، كان الطبيب الذي آثر الظهور في الفيديوهات وعلى خشبة المسرح وكأنه يقدم عرض «ستاند أب كوميدي». لقد تخلى عن مهنة الطب فتخلت هي عنه. حارب الدواء، وحارب العلم والتجارب العلمية ليثبت تميزه واختلافه. عاش يصارع ويتحدى الآخرين لمتعة التحدي في ذاتها. خاض معارك ضد العلم، وضد المنطق، وضد منظومة الطب والعلاج والدواء، وضد المؤسسات المعنية بالإشراف الطبي، لا لشيء سوى المزايدة والمناكفة ليعلو ويشتهر، مشككًا في تلك الكيانات، وهنا تكمن الكارثة.

فأن تتحول تلك المؤسسات بسببه إلى كيانات شريرة يشيطنها «البطل»، وأن يصبح العلاج هو السم، وتصبح الخرافة هي الدواء والشفاء، فهذا أمر خطير لا بد من التصدي له بمنتهى الحزم. فرعونة من انتابته هلاوس وضلالات تخصه وحده لا يمكن ولا يجب السماح لها بالعبور لغيره.

والدوامة التي دخلها الطبيب المفصول بقدميه فغرق فيها، صار فيها كالغريق الذي يتعلق به الآخرون للنجاة، وهو أمر عبثي هزلي. فبالإيحاء، وبالوهم، وبالاختلاف وإثارة الخلاف، سيطر ذلك المناكف على عقول وأفئدة العليل المستغيث، بل وسيطر أيضًا على عقول بعض النخب، وهي مصيبة وخيبة كبرى في نخبتنا قبل بسطاء شعبنا.

نجحت شعبويته وخطابه الشعبوي، الذي يصدر فيه مظلومية مدعاة، في شيطنة المجتمع بأسره، وشيطنة الحق لنصرة الباطل، فصار كالشيطان الذي يعظ، والتف حوله «الشياطين»، وما شيطان في حياتنا سوى الجهل. فساد الجهل بعد مزجه بالدين، وكانت المحصلة وصفة مدسوس فيها السم في العسل سُميت بـ«الطيبات»، وهي خبث الخبائث.

وظهر الدجال الحديث بأزياء شبابية عصرية، حاملًا في يده سيف العصور الوسطى، الذي سلّطه على رقاب العلماء والباحثين بعد شيطنتهم واستعداء الجماهير والنخب ضدهم وضد الدواء الذي يشفي العلل. وأصبح التوقف عن العلاج وتناول الدواء حلًا لأزمة «مافيا الدواء»، وصارت السجائر والمعلبات بديلًا للدواء.

وحقق الدجال العصري، الذي يجيد اللعب بالبيضة والحجر في زمن المسوخ، «نصرًا مبينًا»، وانتقم من المؤسسات التي اتخذت موقفًا ضده، فصار كـ«نيرون» الذي يريد حرق وتدمير منظومة العلاج والدواء بالكامل، ومعها المرضى الذين زجّ بهم إلى الموت وكأنهم قرابين يضحي بها في معركته الوهمية التي جعلها معركة وجود: إما أن يكون أو لا يكون.

فأرواح الناس لديه لا تساوي شيئًا، ولا يعبأ بها، بل لا يراها من الأساس. هو فقط يرى مظلوميته المدعاة واستحقاقه، وأنه دائمًا على صواب، وأنه العارف الأوحد الذي يعرف وهم لا يعرفون، وأنه المنذر الصادق الذي يصدق وهم يكذبون.

وهكذا أعلن الحرب على الجميع، ودق طبولها رافعًا شعار «أكون أو لا أكون»، وتحولت حياته إلى صراع وجود عبثي انتهى بعبثية درامية تشبه صاحبه ومشواره، الذي سعى فيه إلى الجحيم بقدميه. صنع أعداءً لنفسه ولنا، وحارب الطواحين بعصا السوشيال ميديا، وكان له فيها مآرب أخرى.

فاصطف مع الأصوليين واصطفوا معه، وهلّلوا له، وصفقت له السلفية الرجعية — ومعها علمانيون — لصفاقته. وصارت هناك حرب باردة مشتعلة دخلتها تيارات الرجعية والظلام، ومعها بعض النخب، للانتقام من الدولة ومؤسساتها على حساب أعمار وأرواح الناس والمرضى.

وعلى الجانب الآخر، وبعد طرحه لما أسماه «بالطيبات»، التي تعادي الماء — سر الحياة — لصالح المواد الحافظة المسببة للسرطان، اتبع سياسة عقاب جماعي، فأصبح التدخين عملية «تنفس طبيعية»، وصار الماء سمًا، والدواء خرافة.

وكان للمرأة نصيب وافر من صفاقته وانتقامه، فوجه لها أبشع الأوصاف في خطاب عدائي فجّ، ودعا الأزواج إلى عدم علاج زوجاتهم، بل إرجاعهن إلى بيوت ذويهن إن مرضن، في خطاب ذكوري متطرف يتذرع بالدين.

وفي مفارقة صادمة، ساندته بعض النخب النسائية ممن يدّعين الدفاع عن قضايا المرأة. فصار خطابه العدائي ضد المرأة يشبه عداءه لشرب الماء، وكلاهما سر الحياة.

وفي النهاية، كان الراحل شخصًا ابتُلي بالاكتئاب وعقد النقص والبارانويا وكراهية الحياة، فهرول إلى الموت بخطى مسرعة. وطالته «الكارما» بعد أن أضر بأرواح المرضى الذين اتبعوا طريقه الضال وأفكاره المسمومة، التي جعلتهم في خصومة مع دوائهم… نجاتهم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق