الإثنين 27/أبريل/2026 - 08:25 ص 4/27/2026 8:25:41 AM
تظل الشدة دائمًا كاشفةً تغربل من حولك؛ فتعرف الصديق والأخ والعدو، وقد تفاجأ بمن تحسبهم سندًا وظهرًا أنهم ضمن أعدائك غيرةً وحقدًا وحسدًا، رغم عطائك وإحسانك، وأتذكر هنا القصة الشعبية لتاجر كبير قد أعد وليمة فخمة من أشهى أنواع الطعام، وطلب من ابنه أن يدعو الجيران والأقارب لتناولها، وكان الابن الأكبر حكيمًا؛ فأراد أن يعزم أهل المروءة والشهامة والمحبة، فخرج على ناصية منزلهم وأخذ ينادي بأعلى صوته: "حريق في منزلنا!" فكانت المفاجأة أن من دخل المنزل أشخاص غرباء لنجدتهم، ولم يتحرك أحد من الجيران والأقارب، وعندما سأله والده: "من هؤلاء؟" قال: "إنهم أحبتنا الحقيقيون عند الشدة"، وقص على والده أنه طلب المساعدة لإطفاء حريق في منزلهم، وأن هؤلاء هم أهل الشهامة والمروءة قد هبوا لنجدتنا، فقال والده مقولته الشهيرة: "الشدة تظهر معادن الرجال".
لابد أن يكون راسخًا في أذهاننا جميعًا أنه منذ خلق الله سبحانه وتعالى الكون، والصراع بين الخير والشر صراع كوني ممتد إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها، ودائمًا ما يكون الخير منتصرًا إذا فعل العادات والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال في مواجهة قوى الشر، من علم وعمل وأخذ بالأسباب، بجانب تقوى الله سبحانه وتعالى وحب الوطن والشهادة دفاعًا عن ترابه؛ تلك هي تميمة النصر على الشر.
وفي الدول صاحبة الحضارة يطلق على تلك التميمة "التجذر الحضاري"؛ لذا يحاول أعداء أمتنا العربية بشتى الطرق أن يغيروا من ثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا، ومنذ فجر التاريخ والمؤرخون يوضحون أن مصر -كدولة صاحبة حضارة- مطمع لكل القوى الكبرى ويطلق عليها "الجائزة الكبرى"، وتختلف مصر عن باقي دول العالم بأن بها خير أجناد الأرض، وبأنها وأهلها في رباط إلى يوم الدين؛ كما ورد في معنى حديث شريف لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكل من جاء مصر في شتى الصور والأشكال انصهر في ثقافتها وحضارتها، وعندما يستوطن مصر يصبح الجيل الثاني مصريًا خالصًا؛ فالثقافة والحضارة المصرية روافدها تتماشى مع الطبيعة البشرية والعادات والتقاليد والشرائع السماوية، ولشعب مصر طبيعة خاصة تعرفهم عند الشدة وعند الدفاع عن الوطن ومقدراته، فبينما أغلب شعوب العالم تهرب وتترك وطنها عند مواجهة المحتل، نجد الشعب المصري يطرد الخونة خارج الوطن.
إن الأمن القومي المصري مترابط ومتشابك مع الأمن القومي العربي والإقليمي والدولي، ومصر دولة عصية على الانكسار، تمتلك إرادة وقوة تستمدها من صلابة وعراقة شعبها وجيشها وقيادتها السياسية، وعلمتنا تجارب التاريخ أن مصر درع وسيف أمتها العربية؛ فقيل ظهور البترول في منطقتنا العربية كانت مصر تقدم كسوة الكعبة والتكية المصرية، وكانت ترسل النخب من الأطباء والمعلمين والحرفيين وكافة التخصصات وتتكفل برواتبهم في جميع الدول العربية، وعندما احتلت الكويت من جانب العراق كان لمصر موقف الحسم في تحرير الكويت، وفي عصرنا الحالي تتحمل مصر أعباء القضية الفلسطينية؛ فهي قضية العرب الأولى التي لابد من دعمها حتى قيام الدولة الفلسطينية في إطار حل الدولتين.
منذ قيام الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتعرض دول الخليج لهجوم إيراني، وموقف مصر واضح وصريح وداعم للأمن القومي الخليجي والعربي، وتدعم مصر بشتى الطرق والوسائل دول الخليج، وقد شاهدت -وشاهد الكثيرون- لقاء الإعلامي عماد الدين أديب في إحدى القنوات، وقد كنت في صغري من محبيه حتى وجدت أن مواقفه قد تبدلت بعد ثورة 30 يونيو، ووجدته يطالب بالمصالحة مع "إخوان الدم"، وقد سئمت -كأغلب شعب مصر- من تصريحاته عن موقف مصر من دول الخليج في حرب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران، فأصبت بدهشة؛ فليعلم سيادته وكل من على شاكلته أن مصر دولة كبيرة صاحبة حضارة وتمتلك جيشًا قويًا، وهي الوحيدة في العالم التي أوقفت مشروع التهجير وقالت "لا" للرئيس الأمريكي ولإسرائيل، ومصر رغم ظروفها الاقتصادية دعمت فلسطين بأكثر من تسعين بالمئة من المساعدات، وقد نادت مصر منذ عصر الرئيس مبارك بالوحدة وتشكيل جيش عربي موحد، وقد أكد على ذلك سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة عام 2015، ولولا تدخلات الدول التي تتعارض مصالحها مع المصالح العربية لكانت القوة العربية واقعًا ملموسًا.
فهل يمتلك الإعلامي القدير القدرة على دعوة الدول العربية للوحدة وإنشاء جيش عربي موحد؟ وهل يستطيع أن يطلب من قادة الدول العربية ذلك؟ إن مصر قوية بشعبها وحضارتها، وما تقدمه مصر من دعم للأمة العربية يعرفه جميع العرب والأصدقاء، لكن لا يمكن أن يقال خارج الغرف المغلقة "هكذا الدول صاحبة الحضارة".
وفي الختام أقول لنخبة "الترند" ونخبة من يصنعون مجدهم من التقليل من قيمة مصر: إن مصر باقية كالشمس لا يهزها ريح، يدها ممدودة بالحب والتضحية لكل أشقائها العرب وفق قواعد واتفاقات ملزمة تحدد واجبات ومهام الجميع، وتدعو الجميع إلى الوحدة وتشكيل قوة عربية مشتركة، وأتمنى أن يشاركني جميع الإعلاميين والنخب في كافة الدول العربية في تلك الدعوة وألا يرددوا الكلام الذي يخدم أعداءنا؛ فقد دقت ساعة العمل والوحدة، فلنجعل من الأزمة الحالية شعلة أمل للحاضر تجعل الجميع يتمنى الخير للأمة العربية، حفظ الله تعالى أمتنا العربية ووحد قادتها إلى ما فيه خير وصالح الأمة.

















0 تعليق