قصة لـ محمد مختار: الحرارة لا تزيد على صفر

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

طفل في الثلاثين، حياته دائرةٌ لا يتسع قطرها أكثر من بضعة أشخاصٍ بالكاد يتغيرون، طبعًا فقد وُلد لأبٍ وأمٍّ يخافان، فحرماه كل شيء وحرّما عليه كل شيء، خوفًا عليه من كل شيء. حتى إنه لم يكن يذهب إلى المدرسة إلا في رعاية أبيه، ولا يعود منها إلا في عنايته، لكنه بين الذهاب والعودة يفعل أشياءَ كثيرة.

هو الآن في المرحلة الابتدائية، طفلٌ لا يعي من دنياه سوى اللهو، يلعب مع أقرانه، يجري بينهم، معرضًا نفسه للأذى حينًا، ولاتِّساخ ثيابه أحيانًا، ولوم أبيه ودموع أمه دائمًا. «شيطان صغير» هكذا وصفوه، لم يدركوا أن حرارته كانت تزيد على صفر، حتى جاءته مجموعةٌ من القصص فقال أبوه: «لعلها تلهيه». وبالفعل هبطت حرارته إلى ما تحت الصفر، فكفَّ عن اللعب وأصبح لا يُرى إلا ممسكًا بتلك المجموعة، منهمكًا في قراءة إحدى قصصها، حتى انتهى منها، لتعود حرارته إلى الارتفاع من جديد.

ولكن بعدما جذبته القراءة وغَشِيَت عينيه شهوةُ المعرفة، لم يعد يُرى إلا قارئًا، في مكتبة المدرسة يقرأ، وبين الحصص يقرأ. أصبح ينتظر حصة المكتبة بعدما كان ينفر منها، كفَّ أبوه عن لومه، وكفت أمه عن دموعها، إذ لم يعد مدرسوه يشكون منه. «سبحان الهادي» هكذا رددوا فيما بعد! حتى صعد إلى المرحلة الوسطى، وقد تغلغلت القراءة في روحه، وأصبحت جزءًا من تكوينه فمع أنه يعبر من مرحلة إلى مرحلة جديدة، مدرسة جديدة، أصدقاء جدد، فإنه لا يزال على شغفه.


تتجه عيناه أولًا إلى المكتبة ليجدها خاوية إلا من امرأتين، لا تملَّان من الثرثرة، وتقشير الخضراوات لإعداد الطعام لأسرهن، ما أعاد حرارته إلى ما بعد الصفر، وأهبطه إلى حوش المدرسة، ليشارك زملاءه لهوهم. لكن كيف يشاركهم، وهو لا يعرف أبسط ألعابهم؟ لا «ثبِّتْ صنمًا» ولا «مسّاكة الملك»، ولا حتى «كهرب»!

فعاد يلجأ إلى حجرة المكتبة الخاوية يقتات على فتات الكتب الموجودة بها، حتى انتهى منها، فألقى بنفسه بينهم ليلقنوه تعاليمهم، يؤثروا فيه ولا يتأثروا به. حتى انتهى من المرحلة الوسطى وصعد إلى المرحلة ما قبل النهائية، وقد أصبح شابًّا نَضِرًا تفوح منه الحياة، مع أنه يقضي مراهقةً مرتبكةً ممزقةً بين ما درج عليه، وما لقنوه إياه، فهو لم ينسَ شغفه القديم، ولكنه أصبح جزءًا من كلٍّ، أُضيفت إليه أجزاءٌ أخرى.


فقد صار من المدخنين، تلك العادة التي تلقاها عن أحد أصدقائه. أصبح يقف أمام مدرسة للفتيات ساعة خروجهن، يعاينهن بنظره، ليرى من منهن تصلح أن تكون صديقته. لكنه خائف، يخاف لوم أبيه ودموع أمه، فلا يفعل شيئًا، لكنه يزداد جوعًا، تكاد نظراته تخترق ثيابهن لتنفذ إلى ما تحتها. لاحظه أحد زملائه فلحقه بصورة لفتاة تبدو عارية، كبرقٍ خاطفٍ أضاء ثنيةً مظلمةً في عقله، تعلقت عيناه بالصورة طمعًا في مزيدٍ! لكن صاحبه لم يعطه مزيدًا، وقال له باقتضاب: «ابحث».


لم يُكذِّب خبرًا، وجلس إلى اللاب توب الخاص به ليكتب على جوجل كلمة (عارية) ليظهر له كثيرٌ من الصور التي حفظها جميعًا في ملف خاص، ليشاهدها يومًا بعد يومٍ. لكنه عاد سريعًا يقف أمام مدرسة الفتيات، بعدما أصبح يمرِّر تلك الصور كما يمرر الذكريات في عقله، فلحقه زميله بشيء جديد استحوذ على انتباهه ورفع حرارته إلى ما فوق الصفر! نافذة سحرية أطلَّ منها فرأى عالمًا جديدًا، كل ما فيه يجذبك إليه، الممنوع فيه مسموح والمستور مفضوح، بلا حدود ولا قيود. فسرعان ما أدمنه لترتفع حرارته إلى ما فوق الصفر بدرجات، ويستعين بنفسه على نفسه، ليطفئ شهوته التي اشتعلت، لكن إلى حين. أما الآن فهو يريد فتاةً يقضي وطره منها. كان على أبواب الجامعة، حيث كثيرٌ من الفتيات المستعدات لتلقي إشارات الحب التي لا يعرف هو كيف يرسلها، فانتظرها. أخذ يحدُّ النظر تجاه كل فتاة يراها، يسمع كلماتها وفقًا لهواه، ما جعلهن ينفرن منه، يبتعدن عنه اتقاءَ نظراته الحادة، لكن دون جدوى فهو ملتصق بهن، أملًا أن ترسل إحداهن إشارة حب، لكنه لم يتلقَّ أي إشارات! يجلس فقط ليرى كيف يبدأ الحب! إشارة مُرسَلة وأخرى مُستقبَلة، لينمو الحب كما تنمو شجرته في شرفة منزله، وقد تجاسر مرةً أن يرسل إشارة إلى إحداهن فلم يتلقَّ ردًا، عاد يرسلها مراتٍ ومراتٍ فيرددْنه خائبًا!


حتى أنهى دراسته الجامعية، وأصبح واجبًا عليه أن يكدح في دروب الحياة، لكنه صاحبُ قلبٍ ظمآن وجسدٍ جائع، فماذا..؟ «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّومِ فَإِنَّهُ لَهُ وجَاءٌ». فما باله وهو لا يستطيع الباءة، ولا يقوى على مشقة الصوم، فإذًا..؟ صمتٌ يعقبُهُ لا شيء. ما زال عليه أن يعمل أولًا.


جلس إلى اللاب توب الخاص به يراسل الشركات بسيرته الذاتية طالبًا العمل، حتى انسدلت أمامه ذات مرة نافذة تمتلئ بصور عارية، ذكرته بذلك الملف الذي يمتلئ بالصور والمقاطع الخاصة، فيستعيده من سلة المحذوفات ليعود سيرته الأولى، ترتفع حرارته على الصفر درجات كلما نظر وشاهد. لكنه ما زال ينتقل بين عددٍ من الأعمال البسيطة بانتظار كلمة من هنا أوهناك، حتى شارف العام الحاديَ عشرَ بعد الألفين، فلم تمر إلا أيام، واندلعت مظاهرات حاشدة بطول البلاد وعرضها لأجْل حياة كريمة.

كان قد سافر للعمل بإحدى القرى السياحية، وهناك ارتفعت حرارته إلى ما فوق الصفر بدرجات، فالعري مباح لعينيه طوال الوقت، حتى لم يعد بحاجة لا إلى صورة ولا إلى مقطع. لكنه عاد سريعًا إلى بلده بعد احتدام الثورة وخلو الفنادق من شاغليها، عاد لينزل سريعًا إلى ميدان الثورة. لم يكن ثائرًا، لكنه سمع كيف يقضي الشباب والفتيات أوقاتهم، فنزل ممنيًا نفسه بفتاة يروي ظمأه منها، لكنهم لم يكونوا كذلك؛ الجدية تطل من ملامحهم، يقطعون الوقت في مناقشات جادة يتبادلون فيها الأفكار والرؤى، لا ترتفع حرارتهم لصورة ولا لمقطع ولا تذهب أعينهم وراء كل فتاة مارة، إذًا فلا هو منهم ولا هم منه، ما جعله يغادر الميدان سريعًا.


هكذا الثورة ينفذها الشجعان ويستفيد منها الجبناء فلقد عُيِّنَ أخيرًا في وظيفة حكومية ذات دخل ثابت، مما جعله يفكر بالزواج، ليروي ظمأه القديم. لكنه يلامس عامه الخامس والعشرين، فعليه أن يجتهد أولًا في عمله، ليثبت كفاءته ويجمع ما يعينه على أمر زواجه، خمس سنوات مضت قبل أن يبدأ البحث عن زوجة، رحلة جمع فيها بين الخيال ومتعته والواقع ومرارته، ففي كل مرة يطلق خياله ليجرد الفتاة من ثيابها ويلبسها ثوب الزفاف، يراها زوجته تسامره، تؤاكله، تشاركه فراشه، لكنها واقعًا ترفضه.


واحدة تلو أخرى تلو أخرى، حتى بدأ يضم قبضته ساخطًا ويصيح باطنه: الملعونات، من يحسبنَ أنفسهن؟ أنا المثقف المستنير، من قرأ مئات الكتب وعرف كثيرًا وكثيرًا مما لم يسبقه إليه أحد في مثل سنه، يبدو أنه لا يرى نفسه، لا يشعر بنظراته الحادة، لا يدري أنه مثلهن يبحث عن جسد، حتى جاءت «هي»!
من «هي»؟
فتاة جمَعَه بها لقاء مدبَّر لأجل زواج تقليدي، لكنها أيقظت ماضيه في روحه.
- «سبق لي أن رأيتها من قبل».
- «لعلك رأيتها في جامعتك فقد كانت تدرس بنفس الجامعة». قالوا.
لكن ما استقر في ذهنه غير ذلك، فهي بالنسبة إليه لم تكن إلا تلك الفتاة التي رآها يومًا في وضع مُخِلٍّ مع شاب من شباب كليته، لكنه مع ذلك تزوجها، أغراه يـأسه فدفعه لتصديق الذين قالوا إنه حتما يتخيل. مع أنه ما مضى على زواجه شهران حتى وجدها تحادث غريبًا على الواتس آب، فلما واجهها اختلقت له قصةَ أنَّ من تحدثه لا يكون إلا خطيبها السابق الذي عاد يتصل بها، ليقنعها أن تُطلَّق من زوجها وتعود إليه ليتزوجا.قولٌ لا يقنع طفلًا، جعله يواصل الضغط عليها، لتعترف له بعلاقتها الآثمة بحبيبها السابق، وأمْرِهِما معًا من بدايته إلى نهايته، وتنهي قولها بأنها الآن زوجته وأمرها بيده، فإن شاء أبقاها وإن شاء فارقها.


الآن تتراوح حرارته بين الارتفاع والانخفاض، حائرٌ لا يدري ماذا يفعل؟ فهو لم يغضب، ولم يثُر، لكنه يفكر، يفكر في قدَره الذي أوقعه مع امرأة خاطئة.
جعلت تقسم إنها ضحيةٌ!
فقال لها: وماذا بعد؟!
فأقسمت إنها تريد حقًّا أن تبدأ من جديد، وتحيا حياة نظيفة، فمنحها فرصةً، وهو الآن يحيا هو وزوجته الخائنة الضحية حياةً نظيفة، وقد هبطت حرارته إلى ما تحت الصفر بدرجاتٍ، إما إلى حين وإما إلى الأبد.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    181,829

  • تعافي

    140,460

  • وفيات

    10,639

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق