"مضيق هرمز سيبقى مغلقاً؛ والخليج العربي بالكامل هو ساحة صيدنا"... هكذا تذكر لافتة عملاقة وضعت على جانب مبنى في ساحة "الثورة" بوسط طهران، بأهم أوراق الضغط الإيرانية في حربها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
ووفق تحليل نشره موقع ذا هيل الأمريكية، فإن اللافتة تعد بمثابة إشارة لما وصفه محللون بالمهمة شبه المستحيلة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتمثلة في استعادة حرية الوصول إلى أحد أهم الممرات المائية في العالم.
والثلاثاء، أعلن ترامب أنه سيرجئ تجديد الضربات على إيران حتى تقدم اقتراحاً لسلام طويل الأمد، ممدداً وقف إطلاق النار الذي استمر 14 يوماً من جانب واحد إلى أجل غير مسمى.
ومع ذلك، قال إن الولايات المتحدة ستحافظ على حصارها البحري لجميع حركة المرور البحرية التي تدخل وتخرج من الموانئ الإيرانية في هذا الطريق التجاري البحري الحيوي.
وقال عالم صالح، المحاضر الأول في الدراسات الإيرانية بالجامعة الوطنية الأسترالية، إن الحصار الأمريكي يصب في مصلحة إيران، مضيفا: "هذه السياسة ليست عملية بالضرورة، فهي لا تساعد كثيراً، ولن تقنع إيران أبداً بالانسحاب أو الاستسلام، بالتأكيد لا".
وتابع صالح: "إذا أوقفت إيران نفط الآخرين وأوقفت الولايات المتحدة نفط إيران، فهذا يعني أن المضيق مغلق تماماً بفضل كل من الولايات المتحدة وإيران؛ وهذا أمر يسعد الإيرانيين، فهذا ما يريدونه.
ومضى قائلا "كانت هذه استراتيجيتهم منذ بداية هذه الحرب: الحفاظ على أسعار النفط مرتفعة، والتأثير على الاقتصاد العالمي، وجعل إطالة أمد الحرب مكلفة للغاية بالنسبة للولايات المتحدة".
وأضاف: "لذا فإن ما يفعله الرئيس ترامب هو مساعدة استراتيجية إيران على التحقق في وقت أقصر".
لعبة أوراق الضغط
بمجرد أن شنت القوات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة هجماتها على إيران قبل أكثر من 50 يوماً، أغلق الجيش الإيراني مضيق هرمز فعلياً، وهو ممر يبلغ عرضه 22 ميلاً يسهل عادةً نحو 20% من تجارة الطاقة العالمية. وبمجرد أن أضرمت القوات الإيرانية النار في عدد قليل من الناقلات، توقفت بقية الناقلات عن محاولة المرور.
ورغم أن ممارسة إيران للسيطرة على المضيق كانت متوقعة منذ فترة طويلة في "ألعاب الحرب" الأمريكية، إلا أن فعالية تكتيكاتها يبدو أنها باغتت إدارة ترامب.
وقال جيم كرين، خبير الطاقة في الخليج العربي بمعهد "بيكر" بجامعة رايس: "قبل أن تغلق إيران مضيق هرمز، لم تكن أمريكا وإسرائيل تريان خطراً كبيراً في مهاجمة إيران أو شن حرب ضدها أو قصفها، والآن أثبتت إيران أنها تستطيع أساساً أخذ الاقتصاد العالمي كرهينة إذا قرر أعداؤها شن حرب؛ وهذا يمنح إيران رادعاً قوياً للغاية لمحاولة درء الهجمات الأمريكية المستقبلية عليها".
وكانت إيران قد أعلنت أنها ستعيد فتح المضيق للسفن التجارية عقب اتفاق الهدنة المؤقتة بين لبنان وإسرائيل، ثم تراجعت بعد ساعات، معلنة أن المضيق سيبقى مغلقاً حتى نهاية الحصار الأمريكي.
وحذرت بحرية الحرس الثوري الإيراني في بيان يوم السبت من أن "الاقتراب من مضيق هرمز سيعتبر تعاوناً مع العدو، وسيتم استهداف السفينة المخالفة".
هذا الطريق المسدود على إمدادات الطاقة العالمية له تداعيات هائلة؛ فبينما تواجه أمريكا ارتفاعاً كبيراً في أسعار الوقود، تواجه دول أخرى عواقب أكثر خطورة.
فقد أعلنت الفلبين حالة الطوارئ الوطنية في مارس بسبب تضاؤل إمدادات الطاقة؛ وأدى نقص وقود الطائرات في أوروبا إلى فرض قيود على التزود بالوقود وإلغاء رحلات جوية؛ ويواجه المزارعون في جميع أنحاء العالم نقصاً وشيكاً في الأسمدة.
وبينما تلحق الولايات المتحدة ضرراً كبيراً بالاقتصاد الإيراني من خلال حصارها، قال صالح إن التأثير على الصين، التي تستورد نحو 90% من النفط الخام الإيراني، قد يخلق في النهاية مشاكل لجهود ترامب لإبرام صفقة تجارية مع بكين.
وأضاف صالح: "نعم، يمكن للولايات المتحدة إيقاف ناقلات النفط المتجهة إلى مكان آخر، ولكن إلى الصين؟ هذا أمر مختلف تماماً".
وتقول شركات مراقبة الشحن العالمي إن أكثر من عشرين ناقلة مرتبطة بإيران تمكنت من التحايل على الحصار الأمريكي في أسبوعه الأول، مما يشير إلى أن اقتصاد الطاقة الإيراني لم ينقطع تماماً.
الجغرافيا مقابل القوة العسكرية
غالباً ما يتفاخر ترامب وقادته العسكريون بمدى تضرر جيش إيران خلال شهر من القصف بالصواريخ والقنابل الأمريكية والإسرائيلية.
ومع ذلك، قال صالح إن أعظم قوة عسكرية في العالم "لا يمكنها السيطرة على أكثر من 3000 كيلومتر من البحر والشحن والطرق، ومئات السفن التي تخرج وتدخل إلى المضيق من أجزاء مختلفة من العالم".
كما لا يمكنها السيطرة على الخط الساحلي الإيراني دون إرسال قوات برية. وقال مارك نيفيت، الأستاذ المساعد في القانون بجامعة إيموري: "طالما لديهم القدرة على شن هجمات بطائرات (شاهد) المسيرة، فيمكنهم السيطرة على المضيق".
وأكدت سحر رزوي، مديرة مركز الدراسات الإيرانية والشرق أوسطية بجامعة سكرامنتو، هذا الشعور قائلة: "لا يوجد شيء حقاً يمكن لأمريكا فعله لإزالة نفوذ إيران تماماً على المضيق طالما بقيت الحكومة الإيرانية".
وهناك أيضاً تهديد الألغام الإيرانية في مضيق هرمز. وصرح مسؤول في الدفاع الأمريكي للكونجرس بأن إزالة الألغام الموجودة قد يستغرق ستة أشهر، وهي عملية لا يمكن أن تبدأ إلا بعد انتهاء الحرب.
وقد فكرت واشنطن أيضاً في إرسال مرافقات بحرية لحماية السفن التجارية، رغم أنها قررت حتى الآن أن الأمر ينطوي على مخاطرة كبيرة مع استمرار الحرب.
تحالفات مضطربة
وتسعى كل من إيران وأمريكا إلى تعزيز التحالفات من خلال مواجهتهما في الخليج العربي؛ حيث حث ترامب حلفاء أمريكا على ضمان عدم فرض إيران لنظام رسوم مرور على المضيق، مقترحاً أيضاً أن تدير واشنطن وطهران الممر المائي بشكل مشترك بعد الحرب.
وقال جون كالابريز، الزميل الأول في معهد الشرق الأوسط، إن إيران ترى في رسوم المرور وسيلة محتملة لتعويض إيرادات الدولة وتقويض الدولار الأمريكي عبر الإصرار على الدفع باليوان الصيني أو العملات المشفرة، وهو ما من شأنه أيضاً حماية اقتصادها من العقوبات الأمريكية.
وقد أعرب حلفاء أمريكا التقليديون عن إحباطهم من ترامب لشنه الحرب دون أي تنسيق، ورفضوا مطالبه بالمشاركة. وقادت فرنسا والمملكة المتحدة تحالفاً عالمياً لوضع خطة للمضيق بمجرد انتهاء الحرب.
وقالت رزوي إن إيران "تحاول استخدام هذا لخلق صدع أو كسر بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها"، مضيفة: "وبصراحة، ليس عليهم العمل بجد للقيام بذلك لأن الولايات المتحدة أوضحت منذ البداية أنها ستمضي قدماً في هذه الحرب دون موافقة حلفائها".
إضعاف قبضة إيران
أدت المواجهة في المضيق بالفعل إلى إطلاق تخطيط طويل الأمد حول كيفية إنشاء طرق بديلة لتجارة الطاقة في الشرق الأوسط.
وقال كرين إن الدول بحاجة لبناء خطوط سكة حديد وأنابيب تتجاوز مضيق هرمز لنقل النفط خارج الخليج العربي إلى سواحل البحر الأحمر أو بحر العرب.
وأضاف: "أعتقد بمجرد قيامهم بذلك، ستفقد إيران ورقة الضغط التي تمتلكها الآن".
لكن هذه الطرق البديلة ستستغرق سنوات لتطويرها. ويمكن لإيران أن تزيد من حدة المخاطر بالعمل مع حلفائها "الحوثيين" في اليمن لإغلاق مضيق باب المندب في البحر الأحمر.
وتمتلك السعودية والإمارات والعراق أنابيب بديلة تعمل حالياً، لكن كرين قال إنها لا تمتلك قدرة ناقلات النفط؛ فالخليج العربي يصدر عادةً نحو 20 مليون برميل يومياً، بينما الأنابيب قادرة على حمل نصف ذلك على الأكثر.
وفي المدى القصير، قال صالح إن الولايات المتحدة يمكن أن تحاول كسر ضغط إيران على المضيق عبر استهداف البنية التحتية المدنية بضربات جوية متجددة، لكن ذلك سيكون على الأرجح "جريمة حرب" ويؤدي إلى مزيد من الانتقام الإيراني.
وختم صالح بالقول: "هذه الحرب لن تُحل قانونياً ولا حتى سياسياً.. الشيء الوحيد الذي يمكنه حل هذه المشكلة هو التنازل، ويجب على كلا الجانبين التفكير في ذلك بجدية".
















0 تعليق