في 25 أبريل تحل ذكرى وفاة الشاعر الإيطالي توركواتو تاسو، الذي ولد في 11 مارس 1544 بمدينة سورينتو في مملكة نابولي بإيطاليا، وتوفي في 25 أبريل 1595 في روما، ليظل واحدًا من أبرز شعراء أواخر عصر النهضة، وصاحب الملحمة الشهيرة التي تناولت أحداث الحملة الصليبية الأولى واستعادة القدس.
بدايات توركواتو تاسو
كان توركواتو تاسو ابن الشاعر ورجل البلاط برناردو تاسو، ومن بورزيا دي روسي، وقد طغت المصاعب العائلية على طفولته؛ إذ تبع والده أمير ساليرنو إلى المنفى عام 1552، وصودرت ممتلكات الأسرة، وتوفيت والدته عام 1556، ثم نشأ نزاع قانوني حول مهرها.
التحق توركواتو تاسو بوالده في روما عام 1554، ثم انضم بعد عامين إلى بلاط دوق أوربينو، حيث تلقى تعليمه مع ابن الدوق. وخلال هذه المرحلة تشكل خياله الأدبي مبكرًا تحت تأثير قصص الحروب الصليبية، كما تأثر بشدة عام 1558 بأخبار هجوم الأتراك على سورينتو، حيث نجت أخته كورنيليا من المذبحة.
وفي أثناء وجوده في البندقية، بدأ كتابة ملحمة شعرية على نمط "الأوتافا ريما"، بعنوان "جيروزاليمه"، حول الحملة الصليبية الأولى التي استُعيدت فيها القدس عام 1099. لكنه توقف عن العمل عليها، متجهًا إلى موضوعات الفروسية، فكانت النتيجة قصيدته "رينالدو" عام 1562، التي أظهرت مهارته التقنية دون أن تكشف بعد عن عبقريته الكاملة.
التكوين الفكري وبدايات النضج الأدبي
في عام 1560 التحق بدراسة القانون في مدينة بادوفا، وهناك التقى بالإنساني والناقد سبيروني سبيروني، وتحت إشرافه درس كتاب "فن الشعر" لأرسطو، ويرجح أنه بدأ في تلك الفترة كتابة مؤلفه "مقالة في فن الشعر" عام 1587، الذي ناقش فيه رؤيته الخاصة لقواعد الشعر، مؤكدًا أن وحدة الحدث لا تمنع تنوع الحكايات الفرعية.
وفي عام 1565 دخل في خدمة الكاردينال لويجي ديستي، ثم تردد على بلاط دوق فيرارا، حيث حظي برعاية شقيقتي الدوق، لويكريزيا وليونورا، وكتب لهما عددًا من أجمل قصائده الغنائية.
نضج التجربة الأدبية
في عام 1569 توفي والده، وفي العام التالي غادرت لويكريزيا فيرارا، فالتحق تاسو بالكاردينال في باريس، حيث التقى بالشاعر الفرنسي بيير رونسار. وعند عودته إلى فيرارا عام 1571، أصبح من رجال بلاط الدوق وكرس نفسه لإنتاج شعري مكثف.
وفي عام 1573 كتب مسرحيته الرعوية "أمينتا"، التي تميزت بأسلوب غنائي رقيق في تصوير عالم مثالي يشبه أجواء الرعي والطبيعة، وقد عكست المسرحية فترة قصيرة من الاستقرار والسعادة في حياته.
تأليف "القدس المحررة"
في عام 1575 أنهى تاسو ملحمته الكبرى التي بدأها منذ سنوات، وهي "القدس المحررة"، التي تناولت أفعال الجيش المسيحي بقيادة جودفري دي بويون خلال الحملة الصليبية الأولى، وصولًا إلى فتح القدس ومعركة عسقلان.
وقد أضاف إلى الحدث التاريخي عددًا من الوقائع الخيالية، من أبرزها: قصة البطل رينالدو وحبه للأميرة المسلمة أرميدا، قصة تانكريد وحبه لكلوريندا التي يقتلها دون أن يعرف حقيقتها، وقصة حب إرمينيا لتانكريد.
تدخل قوى خارقة في مجريات الحرب
وقد سعى تاسو إلى تحقيق توازن بين القواعد الأدبية لعصره وبين خياله الشعري، فجمع بين الحقيقة التاريخية والعناصر العاطفية والخيالية في بناء ملحمي متكامل.
أزماته النفسية وحياته المضطربة
بعد اكتمال العمل، توجه إلى روما لمراجعته، ثم عاد إلى فيرارا عام 1576، حيث دخل في حالة نفسية مضطربة بين قبول النقد والتمرد عليه.
وأصيب بهوس الاضطهاد، وبدأ يشك في التزامه الديني، ما أدى إلى تدهور حالته النفسية، وانتهى به الأمر إلى الحبس في مستشفى سانتا آنا بين عامي 1579 و1586 بأمر من دوق فيرارا.
وخلال هذه الفترة كتب حوارات فلسفية وأخلاقية تُعد من أبرز نماذج النثر الإيطالي في القرن السادس عشر.
الجدل الأدبي والسنوات الأخيرة
في عام 1581 نشرت أول طبعات "القدس المحررة"، واندلع جدل نقدي واسع حولها مقارنة بملحمة "أورلاندو الغاضب" للشاعر لودوفيكو أريوستو، وشارك تاسو في هذا الجدل بكتابه الدفاعي عام 1585.
وفي عام 1586 أُطلق سراحه، وانتقل إلى بلاط أمير مانتوفا، حيث أنهى مسرحيته "ري توريسموندو"، لكنه عاد سريعًا إلى القلق والتنقل بين روما ونابولي، وكتب قصائد دينية مثل "جبل الزيتون" و"الأيام السبعة لخلق العالم".
وفي عام 1592 استضافه الكاردينال تشينتسو ألدوب في روما، حيث أهداه نسخة جديدة من ملحمته بعنوان “القدس المفتوحة”، لكنها لم تحقق النجاح المنتظر.
وفي أواخر حياته وعده البابا بمنحه لقب شاعر البلاط، لكنه مرض وتوفي في 25 أبريل 1595 في روما، قبل أن يتحقق ذلك.
وسرعان ما ترجمت "القدس المحررة" إلى لغات أوروبية متعددة، وأثارت جدلًا نقديًا واسعًا، لكنها رسخت مكانة تاسو كأحد كبار شعراء أوروبا، وقد ارتبطت حياته المضطربة بملامح أسطورية، حيث صور كعبقري عاش بين الإبداع والمعاناة، ويرى النقد الحديث أن شخصيته تعكس حالة التوتر الفكري والأخلاقي التي ميزت عصره، بين قيم النهضة وصراعاتها الدينية والفكرية.

















0 تعليق