صفر على الشمال

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الخميس 23/أبريل/2026 - 01:46 م 4/23/2026 1:46:39 PM

"صفر على الشمال" مقولة راسخة في الوعي العام نرددها بلا توقف في غالبية أحاديثنا عن أمور حياتنا لنوحي لمتلقيها أن الأمر هو والعدم سواء، فنصف بها الفكرة والإنسان والقدرة على التغير أو التغيير، كما نصف بها أي محاولة قد يكون من شأنها تحريك المياة الراكدة في أي أمر من الأمور في المجال العام. وهي حالة مع - تمكنها – تجعلنا ننظر إلى الصفر أينما حل أو ظهر على أنه بلا قيمة وبلا معنى، على غير حقيقته تماما، لأننا وبدون وعي تام بحقيقته لم ننظر له كقيمة بقدر ما ننظرنا إلى مكانه، حتى أن نظرتنا إلى مكانه حين وضعناه على "الشمال" لم تكن تكن حقيقية أو واقعية، حيث نظرنا إلى مكانه في " الشمال" على أنه لا يضيف إلى للعدد شيء، رغم أنه في هذا المكان يجعل العدد ثابتا بلا تغيير في قيمته، في حين أنه يضيف عشرة أمثال للعدد إذا ما وضع على يمينه، وهو الرقم الوحيد الذي يمكنه فعل ذلك، فإذا وضعناه يمين الرقم واحد يصبح عشرة وإذا وضعناه يمين العدد أثنين يصبح عشرين، وهكذا، أما إذا وضعناه كما نقول - بدون وعي - على "شمال" الرقم واحد فإننا سنكون أمام حقائق علمية مذهلة، ساهمت في تطور الفيزياء والكيمياء والرياضيات والخوارزميات التي نلمسها بأيدينا على مدار الساعة دون أن ندري أن ما نراه بلا قيمة هو أعلى قيمة وصلت لها البشرية اليوم، حتى أن الأمم المتحضرة والمجتمعات العلمية أصبحت تتبارى لتنسب لنفسها اكتشاف الصفر وتحاول جاهدة اكتشاف مزيدا من الأصفار على "الشمال" الذي يطلق عليه في المجتمعات العلمية " الصفر المُطلق"، الذي تدرج باكتشافات علمية منذ القرن السابع عشر وحتى الأن من صفرشمال الرقم واحد إلى ستة أصفار فأكثر، ليتخد مسما علميا يطلق عليه كلفن وفيمتو كلفن ونانو كلفن....وهي أقصى درجة للتبريد التي عندها تتجمد الحركة الميكانيكية للمادة في حين تحتفظ بداخلها بنشاطها الحيوي الكامل، وهو ربما ما عبرت عنه السينما الأمريكية التي حاولت استكشاف الفضاء في بحثها عن بيئة مشابهة للأرض للعيش عليها عندما استحالت الحياة عليها بسبب التلوث، فنجد فيها سفن الفضاء مجهزة بثلاجات تبريد يدخلها سكان السفن لينامو سنوات ضوئية في رحلتهم ثم يستيقظوا عند الوصول في نفس عمرهم الأرضي الذي كانو عليه دون أثر واضح لعوامل تقدم العمر والشيخوخة. إن نظرتنا "صفر على الشمال" تحدد بوضوح نمط تفكيرنا في كافة الأمور، كما تبين أن نظرتنا للحياة هي نظرة تشاؤمية بحته، جعلت التاريخ يسير بنا في خط مستقيم لا في خط متوازي مع الحاضر. ومأساة الخط المستقيم - هنا - هو أنه ينقلنا في الزمن للأمام في حين لا يغير في نظرتنا للأمور شيء، فنظل بنفس القيم والأوطرحات القديمة، يتوازى معها تبعثر للأفكار، فلا نمتلك المقدرة على خلق نمط حياتي جديد يؤدي إلى نوع من الوفرة والرفاة. فعلى هذا الخط الزمني ينتقل معنا الموروث، صالحه وطالحه، دون جرأة حقيقية على تفنيده ووضعه على مقياس علمي للتجربة والخطأ أو الصدق والكذب أو النزاهة والإدعاء، وهو وضع جعلنا نُفقد الأشياء معناها بالثبات، وجعل العقول تُفقد المعاني والقيم سياقها، حتى أن أعلى الأشياء قيمة يتم وضعها في إطار عقلي من اللاقيمة، فأصبحت الحقيقة بلا قدرة على الفعل أو الصمود، وأصبح العقل في وضع سلطة إقصاء واستبعاد لا سلطة استيعاب وتعدد، في سلوك عام يتمكن منه اليأس والإحباط من الحاضر والمستقبل، وتكون مقولة " صفر على الشمال" لا تختلف كثيرا عن مقولة " مفيش فايدة " التي اختصرنا بها النضال الوطني لسعد زغلول، وكأنه تنازل عن كل مراحل كفاحه واكتشف فجأه أنه بالا طائل أو معنى، رغم أن أقرب التفسيرات العقلية لسياق المقولة هو أنه قالها وهو في فراش الموت حين لم يعد هناك فائدة من تناول الأدوية، لا من يأسه من الحياة أو القدرة على التأثير فيها، لكننا جعلناها مفهوم عام للمستحيل، ومفهوم عام متوارث يُفقد أي مسيرة نحو النجاح معناها كما يُفقد أي مسيرة كفاح أهميتها..! ولا يبعد كثيرا عن هاتين المقولتين، المقولة الأكثر انتشارا وترسخا منذ سبعينات القرن الماضي، التي أطلقها الكاتب العظيم الراحل أحمد بهاء الدين - عن توجه الرئيس السادات نحو فتح المجال العام لرأس المال الخاص في الاستثمار أو ما يسمى بالانفتاح - حين قال " الانفتاح سداح مداح " لنصم - دون حياء – عهد كامل تخلله انتصار عظيم حرر الأرض بالسلاح وبالسياسة " بالهرجلة والفوضى وفقدان القيمة " فقط لأننا وجهنا حكمنا وفقا لميولنا واتجاهاتنا وانتماءاتنا المسبقة، ولم نتجرد بالشكل الكافي وننظر نظرة حيادية بمنهج علمي اقتصادي إلى ما كان يفكر فيه صاحب الانفتاح أو ما كان سيقتضيه هذا الانفتاح من تعدد اقتصادي وسياسي اجباري حتى وإن شاب التطبيق بعض الإنحراف شأنه شأن أي تجربة في بدايتها، فلم نحاول في تقييمنا أن نترك التاريخ يسير بجوارنا في حكمنا ولكن تركناه يسير معنا إلى الأمام ولكن على نفس الخط المستقيم من السياقات البالية. إن كان لهذه المفاهيم الذهنية وغيرها أن تطرح نظرة، فإنها لن تطرح - فيما يبدو - إلا نظرة على مفهوم التكيف، وهل نتفاعل معه على أنه لا يعدو مرحلة من مراحل تطور الإنسان في محاولاته الدائمة للتغلب على الواقع، أم أنه المرحلة النهائية التي لن يعيش غيرها..؟ ذلك أن تحديد المفاهيم بشكل منهجي هو ما ينقل الإنسان من مرحلة الطفولة والرعاية إلى مرحلة النضج والكفاية، ومن مرحلة الجهل التام إلى المعرفة الكاملة، حين يكون هناك إيمان بأن العقل في حالة صعود دائم نحو التجديد والابتكار، حين يكون هناك إدراك أن القوانين موجودة في الطبيعة منذ الأزل، ولكنها تتكشف فقط لمن يبحث عنها، حين يعرف ذلك الباحث أن لكل شيء قيمة حتى وإن كان" صفر على الشمال "

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق