الموسيقى والتاريخ «١-٢»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قد يطرح عنوان المقال السؤال التالى: ما علاقة الموسيقى بالتاريخ؟ وسأعرض عليك أيها القارئ الكريم تجربتى فى محاولة الإجابة عن هذا السؤال.

تبدأ التجربة معى بالإجابة عن السؤال الأصلى، بالنسبة لى، وبالنسبة لتخصصى الدقيق: ما هو التاريخ؟ وأنا من جيل قُدِّم لنا التاريخ فى المناهج الدراسية فى المدارس على أنه تاريخ الخلفاء والزعماء والملوك، وتاريخ الوقائع والحروب. وحتى فى المناهج الجامعية قُدِّم لنا تاريخ مصر الحديث والمعاصر على أنه إما تاريخ الملوك، عبر دراسة أسرة محمد على، أو تاريخ الحركة الوطنية، عبر دراسة عرابى ومصطفى كامل وسعد زغلول وعبدالناصر. وكانت المفاجأة أن نكتشف بعد ذلك أن هذا ليس هو التاريخ بالمعنى الشامل، إنما هو فى حقيقة الأمر ليس سوى التاريخ السياسى. وربما يرجع ذلك إلى تأسيس أقسام التاريخ فى ظل «المملكة المصرية»، وأيضًا التأثر بمدرسة الحركة الوطنية فى مواجهة الاحتلال البريطانى.

عودة مرة أخرى إلى السؤال الأول والمحورى: ما علاقة الموسيقى بالتاريخ؟ بدأت محاولة الوصول إلى إجابة عندما شاهدت فيلمًا تسجيليًا فرنسيًا قصيرًا عنوانه «الحفلة الراقصة»، إذ تدور فكرة الفيلم حول رصد المتغيرات التى مر بها المجتمع الفرنسى فى القرن العشرين من خلال عرض الرقصات والموسيقى والغناء. ويتميز الفيلم بعدم وجود «حوار» أو حتى تعليق صوتى، فالمهم هو رصد التغيير من خلال تطور الرقص والموسيقى، مع التحولات الكبرى التى مرت بها فرنسا. 

والجديد أيضًا فى الفيلم أن المُشاهِد هو الذى يتفاعل مع ما يراه على الشاشة، حيث يصنع كل مُشاهِد منا- فى ذهنه- حواره الخاص عن الرقص والموسيقى وتحولات المجتمع. وأتذكر أن أروع مشاهد الفيلم- إذا لم تخُنى الذاكرة- كان عن الموسيقى والرقص وثورة الشباب فى عام ١٩٦٨.

أثار الأمر لدىّ هذا السؤال العبثى، الذى هو فى حقيقة الأمر بلا إجابة محددة: هل تطور المجتمع، والأحداث السياسية والاجتماعية هى التى تؤدى إلى تطور الرقص والموسيقى، أم أن تطور الرقص والموسيقى هو الذى يلعب دوره فى إحداث التغيير فى المجتمع؟ فى حقيقة الأمر التأثير متبادل إلى حدٍ بعيد، وبشكل يصعب بيان تفاصيله.

وجال بخاطرى السؤال التالى: هل يمكن الحديث عن ثورة ١٩١٩ دون الارتكاز على موسيقى «فنان الشعب» سيد درويش؟ هل يمكن الحديث عن ثورة ٢٣ يوليو، الحلم والأمل والألم، دون استعراض أغانى عبدالحليم حافظ؟

ألا يمثل الصعود الكبير لمحمود شكوكو منذ النصف الثانى من الأربعينيات نموذجًا لتحولات المجتمع المصرى، ونمو الأحياء الشعبية، بعد موجات هجرة كبيرة من الريف، بحيث أصبح شكوكو نموذجًا لشخصية ابن البلد، ورغبته فى تأكيد ذاته، وهو ما نجده فى فيلمه المهم «عنتر ولبلب» وكذلك فى مونولوجاته الساخرة؟

هل أتت فرقة رضا للفنون الشعبية من فراغ؟ أم أنها تعبير عن الرغبة فى إعادة إحياء الرقص الشعبى، وتقديمه فى صورة عصرية تناسب تحولات جيل الشباب فى الخمسينيات والستينيات؟ ولماذا تراجعت فرقة رضا بعد ذلك؟

أشاهد الآن الفيلم الوثائقى المهم الذى أنتجته قناة «الوثائقية» المصرية- القناة الوليدة التى استطاعت فى سنوات قليلة تأكيد نفسها على الساحة- عن «أحمد عدوية» والذى أعده الصديق سيد محمود، وأتذكر مشاركته معى فى الكتاب الجماعى عن «التاريخ والموسيقى»، والذى شاركتنى فى تحريره الدكتورة نهلة مطر، حيث شارك سيد محمود بموضوع «أحمد عدوية والمتعة خارج نسقية النخبوى والشعبوى.. قراءة من منظور النقد الثقافى» هذا البحث المهم الذى طوّره ليكون بمثابة الأساس لهذا الفيلم الوثائقى.

فى المقال المقبل سأتحدث عن تجربة مهمة كان لى شرف المشاركة فى الإشراف عليها، حيث تم دمج مجموعة متباينة «بينية» من الموسيقيين والمؤرخين فى خطوة جريئة لإنعاش كل تخصص بالآخر، عبر لقاءات وورش عمل لتفهم مناطق شيّقة وشائكة فى تاريخ مصر، نتج عنها مجلد جماعى عن التاريخ والموسيقى، مزوَّد بأسطوانة مدمجة عن تطور ألوان الموسيقى مع تطور المجتمع المصرى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق