بين القوة والقانون.. من يملك مفاتيح «المضائق»؟!

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يشهد العالم اليوم لحظة فارقة يعاد فيها تشكيل موازين القوة الدولية، حيث لم تعد الجغرافيا مجرد عامل ثابت، بل تحولت إلى أداة صراع حاسمة تدار فوق سطح البحر.

 

لم يعد النفوذ يقاس بامتداد الحدود البرية، بل بالقدرة على التحكم فى الممرات البحرية التى تختصر المسافات وتتحكم فى تدفق الطاقة والتجارة العالمية.

وهكذا لم يعد البحر فضاء مفتوحًا، بل ساحة اشتباك استراتيجية تتقاطع فيها المصالح الكبرى وتختبر فيها حدود النفوذ.

 

فى هذا السياق، لا يعد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مجرد أزمة سياسية عابرة، بل يكشف عن حقيقة أعمق، السيطرة على البحار تعنى امتلاك مفاتيح الاقتصاد العالمى وأدوات الضغط الجيوسياسى.

كل سفينة تعبر، وكل مضيق يهدد، يعكس معادلة دقيقة بين القوة والقانون، وبين الردع والانفجار.

 

وفى عالم ترسم خرائطه بالقوة قبل القوانين، لم تعد اليابسة مركز الثقل الوحيد، بل أصبحت البحار المسرح الحقيقى لصياغة النفوذ.

التاريخ يؤكد أن التجارة والطاقة والسيادة تحسم عبر الممرات البحرية، لا على اليابسة فقط.

وتأتى التطورات الأخيرة فى الخليج لتؤكد أن الأزمة لم تعد سياسية تقليدية، بل تحولت إلى اختبار مباشر لمستقبل الملاحة العالمية، وقدرة القانون الدولى على الصمود أمام سياسات فرض الأمر الواقع.

 

فى قلب هذا المشهد يقف مضيق هرمز، ليس مجرد ممر مائى، بل شريان استراتيجى تتحكم عبره الأسواق العالمية بجزء كبير من إمدادات النفط.

ولم يعد النزاع حوله مجرد خلاف جيوسياسى، بل تحول إلى اختبار لقواعد الملاحة الدولية.

محاولات السيطرة عليه قد تفتح الباب أمام سابقة تمتد إلى ممرات أخرى مثل مضيق جبل طارق وباب المندب، بما يهدد مبدأ «حرية الملاحة» لصالح منطق القوة.

 

وفى هذا الإطار، تبنت الولايات المتحدة استراتيجية «الضغط البحرى المباشر»، عبر تشديد الرقابة على السفن المرتبطة بإيران، بما يشمل التفتيش والاعتراض وربما الاحتجاز، فى محاولة لتقييد صادراتها النفطية من الخليج إلى بحر العرب.

 

فى المقابل، لم تلتزم إيران موقع الدفاع، بل لوحت بخيارات تصعيدية، من بينها إغلاق مضيق هرمز أو استهداف موانئ إقليمية، ما يجعل أى احتكاك محدود مرشحًا للتصعيد إلى مواجهة أوسع.

 

كما أن التهديدات الأمريكية المتكررة، بما فى ذلك تصريحات تتعلق بإمكانية السيطرة على المضيق، تعكس اتجاهًا أكثر خطورة نحو تسارع عسكرة الممرات البحرية.

وقد يدفع ذلك قوى كبرى مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبى إلى تعزيز وجودها العسكرى فى نقاط الاختناق الاستراتيجية، لضمان عدم احتكار أى طرف لتدفقات التجارة والطاقة.

 

وفى ظل هذا المشهد، يزداد مستقبل الملاحة البحرية هشاشة فى غياب منظومة قانون دولى ملزمة وفعالة.

كما تتعقد المخاطر إذا نجحت إيران فى فرض وقائع جديدة على الأرض، بما قد يكرس نماذج قائمة على المقايضة السياسية أو فرض الأمر الواقع بدلًا من احترام القواعد الدولية.

 

ورغم خصوصية مضيق هرمز، فإن باب المندب يمثل نموذجًا قريبًا لاحتمالات التدهور، حيث أدت الحرب فى اليمن ووجود فاعلين غير نظاميين، وعلى رأسهم الحوثيون، إلى تقويض مبدأ «المرور الآمن»، عبر استهداف السفن وفق هويتها ومسارها فى سياق الحرب على غزة.

 

ولا يقتصر خطر التوتر على هرمز وحده، إذ يعد مضيق ملقا أكثر الممرات حساسية عالميًا. فهو يمتد لأكثر من 500 ميل بين ماليزيا وإندونيسيا وتديره ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، ويمر عبره نحو ربع التجارة العالمية وثلث النفط المنقول بحرًا.

وتكتسب أهميته بالنسبة للصين بعدًا استراتيجيًا بالغا، إذ تمر عبره نحو 80% من وارداتها النفطية و90% من تجارتها البحرية.

وأى إغلاق محتمل له فى حال صراع مع الولايات المتحدة قد يسبب أضرارًا جسيمة لبكين، ما دفعها لتعزيز حضورها البحرى ضمن ما يعرف بـ»معضلة ملقا»،وفى المقابل، يثير هذا الوضع مخاوف من تحول الصين إلى طرف قادر على فرض حصار فى مضيق تايوان، أحد أهم الممرات الاستراتيجية فى العالم.

 

وقد شهد مضيق تايوان مواجهات عسكرية فى خمسينيات القرن الماضى، حين قصفت الصين جزرًا تسيطر عليها تايوان، مع احتمال تدخل أمريكى فعلى بموجب «قرار فورموزا» عام 1955.

ورغم تراجع حدة التوتر لاحقًا، لا يزال المضيق مرشحًا لأزمة كبرى فى حال اندلاع حرب بين الصين وتايوان، بما قد ينعكس على الاستقرار العالمى بأكمله.

 

أما فى مضيق ملقا، ورغم استقراره النسبى، تتزايد المخاوف من احتمال فرض رسوم عبور إذا ترسخت سابقة السيطرة فى هرمز، وهو ما قد ينسحب أيضًا على مضيق جبل طارق، أحد أهم شرايين التجارة العالمية.

 

ويخشى أن يؤدى تآكل قواعد حرية الملاحة إلى دفع الدول المشاطئة لاستخدام هذه الممرات كورقة ضغط، سواء عبر فرض رسوم أو توظيفها فى صراعات سياسية.

 

وفى المقابل، يبرز سيناريو أكثر خطورة يتمثل فى تصاعد عسكرة المضائق، مع توسع الوجود العسكرى للقوى الكبرى فى نقاط الاختناق البحرية.

 

ويكمن الخطر الأكبر فى احتمال امتداد التصعيد إلى ممرات إضافية، خصوصًا باب المندب، بما قد يؤدى إلى سيناريو «الخنق المزدوج» للتجارة العالمية.

عندها لن يقتصر التأثير على أسعار الطاقة، بل سيمتد إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية فى وقت يعانى فيه الاقتصاد الدولى من هشاشة متزايدة.

 

تعتمد الاستراتيجية الأمريكية على تحقيق أقصى درجات الضغط دون الانزلاق إلى حرب شاملة، بينما تتمسك إيران برفض الإملاءات، ما يخلق معادلة شديدة الحساسية تقوم على توازن هش بين الردع والانفجار.

 

وفى ظل غياب الثقة وتضارب المصالح، ترتفع احتمالات سوء التقدير، ما قد يدفع المنطقة وربما العالم نحو مواجهة أوسع.

 

ما يجرى اليوم فى مضيق هرمز ليس أزمة عابرة، بل اختبار حقيقى لشكل النظام الدولى القادم، إما ترسيخ قواعد القانون الدولى وحرية الملاحة، أو تغليب منطق القوة كقاعدة حاكمة للبحار.

 

وبين هذين المسارين، يقف العالم أمام لحظة حاسمة قد تعيد رسم خرائط النفوذ وتوازنات القوة من بوابة الممرات البحرية، بما يفتح مرحلة أكثر اضطرابًا فى النظام الدولى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق