محمد سلماوى.. «الشكسبيري الساخر وعفريتته الإبداعية»

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

التقاط المفارقة الدالة والموحية والموجعة، صناعة ثقيلة لا يجيدها إلا الأقلون من الكتاب والفنانين والمفكرين فى مصر والعالم، وهناك مدارس ومستويات مختلفة للقدرات فى هذا المجال. المحير فى الكاتب والمثقف والمبدع الموسوعى محمد سلماوى، أنه لم يلجأ إلى هذا الأسلوب فى الكتابة إلا فى مرحلة متقدمة من عطائه الصحافى والأدبى والمسرحى الباذخ، فضلا عن أن ذلك الأسلوب لم يحصل على الشرعية فى الأهرام- المحافظة- والتى قضى سلماوى فيها جل عمره المهنى، باستثناءات نادرة كانت سخرية سلماوى تتخلل أعماله الجادة والرصينة والعميقة طوال الوقت، لكن لم يكن لها ذلك الوجود المكتمل والمستقل الذى نلمسه فى المقالات التى جمعها فى كتاب «العفريتة» (نيجاتيف الصورة)، وقد كتبت كلها إلى ما قبل 2011. يدهشنا الكتاب لأن كل كلمة وفكرة فيه لا تزال تتنفس حية تسعى بين الناس لكثافة اللقطة وقيمة المحتوى وشجاعة الموقف وتقدميته، والفضل لا شك يعود أيضا إلى أن كل القضيا التى أثارها وكل المواجع التى حركها عن تخلفنا الحضارى والسياسى والاقتصادى والروحى لا تزال بـ«حطة إيديك».

تحتاج كتابة سلماوى إلى تركيز ذهنى لكى يحصد القارئ ثمارها، وإلا فقد يلتبس عليه الأمر، فلا يميز بين الهزل والجد وقد يتهم كاتبنا الذى هو أكثر المثقفين إيمانا بأن الدولة لا دين لها وبحقوق الإنسان الحقيقية والتعددية وحرية المعتقد والضمير، بأنه يريد إبادة الأقباط، وذلك فى أعقاب نشر مقاله عن بشاعة حادث كنيسة القديسين بطريقته الخاصة التى يوحى ظاهرها أن الكاتب يؤيد القتل فالدولة والدستور والشيوخ يخلقون مناخا يهيئ لذلك فعلا.

كتاب سلماوى حاشد بمعلومات دقيقة عن التيارات القانونية والسياسية والنيابية والاجتماعية فى أوروبا وأمريكا، وهو يفصل بجلاء داخل كل مقال بين صدق المعلومة وبين السخرية من تعاملنا هنا معها. ويقوم الكتاب بالأساس على أن التحديات الوجودية التى تحاصر مصر وتهددها من كل اتجاه يقابلها معارك طاحنة فى الصحافة والبرلمان والمؤسسات الدينية حول فستان يسرا وأقسام الجن وحرمة اختلاء المرأة بالتلفاز ورضاع الكبير وافتتان عمرو موسى المزعوم بالمنتقبات، وعداء فاروق حسنى للحجاب وما يشبه ذلك من قضايا وفتاوى. يسخر سلماوى من المفتى الذى اعتبر أن الشباب الذى يحاول أن يهاجر ويغرق فى البحر طماع، ومن الحكومة التى تتشدد أكثر من المانيا فيما يخص شنطة المرور والطفايات بينما تترك مبانيها العظيمة تحترق من الأوبرا إلى مجلس الشورى فهى فوق الشعب. يتكلم عن «نعمة الفوضى» المرورية التى نرفل فيها ويحرم منها كل أبناء الدول التى تسمى متقدمة، يتهكم على تعامل الحكومة المستمر مع جماعة تسميها المحظورة، تحولنا من الحرب ضد إسرائيل إلى حروب عرب عرب، وأهلية وطائفية، لتعيش إسرائيل «المسكينة» فى أمان وسلام. يأسف لأن وزراء اليابان السذج ينتحرون حين يقصرون فى أعمالهم بينما وزراؤنا الواعون لا يقلدون الشرق ولا الغرب فى مثل تلك الأمور فلنا خصوصيتنا.

غلاف كتاب «العفريتة»

سلماوى الذى يقف بلا مواربة مع الناس العاديين حيثما كانوا لا يتملقهم ويعرض المطالب العجيبة التى ترد إليه منهم، وخاصة إذا علموا أن كبيرا سيزوره- مثل حاكم الشارقة- بسخرية لاذعة، لكن إنسانيته فى تلك اللحظات تظل أوضح. تبلغ السخرية معه مداها حين تتم مسرحة اللقطة أو يكون الحدث مما يسمح بذلك. فسلماوى دارس المسرح الشكسبيرى فى بلاد الإنجليز، هو هنا مسرحجى مصرى وابن بلد بامتياز، وإن كان يبدو للناظرين دائما مثل الإكسلانسات الذين تحدث عنهم الرئيس الراحل مبارك حين حلم بأن يكون سفيرا بإنجلترا.

ككاتب كبير لا يمكن أن يغفل طبعا إشكاليات وجودية مثل: هل للرقبة زمارة؟، وهل العين المجردة التى ترى هلال رمضان سيأكلها الدود؟، وهل تتطلب الديمقراطية وجود أحزاب أم يكفى أنها تخلق مشكورة تعددية الجماعات المحظورة؟.

يساند مقترح إنشاء حزب رمزه الجزمة، فى إشارة إلى بلوغ تجرمة المستشار اياه مداها.. يرد على سؤال لمراسل نيويورك تايمز قائلا: حاشا لله أن يكون فى مصر تمييز ضد المسيحيين فالمسلمون والمسيحيون كلهم درجة ثانية. موقف آخر يمكن أن يسمى مسخرة حداثية ذلك الذى وقفه وهو يشكو أمرا ما لخدمة العملاء فى شركات المحمول التى تصر على أن تسميه مستر محمد ولا تحل فى النهاية شيئا. ومقال آخر عن اللغة الهجين المبتذلة التى بات بعض المصريين يتحدث بها فلا تفهم أهى إنجليزية أم عربية أم مهلبية. دفاع ساخر/ جاد عن ناصر الذى أقام صرحا باليا اسمه السد العالى، وكيف اكتشفنا أخيرا أن فاروق لا كان فاسد ولا زير نساء ولا لص أو قمرتجى (رغم ثبوت تلك التهم ضد الملك). يشكرالسحابة السوداء التى لا تخلف موعدها فهى كنز سياحى يلطم البيروقراطية التستيفية. وهو يتكلم عن قرار وزير التعليم بإلغاء الدروس الخصوصية يقول: ولم لا نصدر قرارا بإلغاء الجهل وآخر بإلغاء الفقر وثالثا بإلغاء البطالة؟.. أعاد إلى أذهاننا مطالبة على لبن النائب الإخوانى بإعدام وزيرى الاستثمار والأوقاف. ويتساءل: أى دولة كنا سنعيش فيها لو سيطر أمثاله على الحكم؟. يرى أن حب قانون الطوارئ يعبر نبض جماهيرى. توقف طويلا أمام الفوز الساحق الماحق للحزب الحاكم فى برلمان ٢٠١٠.

يقول إنه اذا كان حكم طالبان سقط فى أفغانستان فنحن قادرون فى مصر بعون الله على إحيائه. اقتنى فخورا تمثال الفلاحة المصرية لمختار وبين انبهار الأجانب به وكيف أن محمد عبده قال إن النحت شعر صامت والان يقول الشيوخ إن هى إلا أصنام تلهى عن عبادة الله، ولكن اطمأن قلبه حين قال المفتى: لو التمثال نصفى فالملائكة تدخل البيت عادى!!. يقف عند منح الدكتوراه الفخرية للأمير الخواجة تشارلز، ويبلغ عنه أنه شاهده يشرب الخمر وهو لا يصلى الفروض وكانت له علاقة قبل الزواج فكيف نقبل ذلك، وهل يكفى أن الأمير من أشد المهتمين بالحضارة الإسلامية وتأثيرها؟.

لقد قال عمر عبد الرحمن يوما: لو كنا قتلنا نجيب محفوظ لما ظهر عمر عبد الرحمن. وليست صدفة أبدا أن يكون حالنا فى ظل ذلك الفقيه وصحبه أن تكون إسرائيل على ما هى عليه، وأن يصل تدهورنا إلى قاع القاع. إن الكاتب وهو عاش التجربة يؤكد أن فاروق حسنى خسر معركة اليونسكو رغم التأييد العالمى الواسع فقط لأنه افتقد أهم شرط وهو رضا إسرائيل عنه، ولكنه نسى أن فاروق حسنى أيضا افتقد تأييد الشيخ الحوينى.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    166,492

  • تعافي

    130,107

  • وفيات

    9,360

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق