تتواصل صلوات وطقوس أسبوع الآلام في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وسط أجواء روحانية، ويعيش الأقباط أيام «البصخة المقدسة» بتأمل عميق في أحداث حياة السيد المسيح الأخيرة، التي تمهد لذروة الإيمان ممثلة في عيد القيامة المجيد، في مشهد يجمع بين الحزن والرجاء، والألم والانتصار.
وتحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، اليوم الثلاثاء، بالبصخة المقدسة، المعروف بـ"ثلاثاء البصخة"، والذي تقرأ فيه هذا اليوم الأحداث التي قام بها السيد المسيح والتي منها المرور على شجرة التين التي لعنها.
أحداث ثلاثاء البصخة
مرور السيد المسيح على شجرة التين التى يبست من الأصل إذ كان المسيح عائدا مع تلاميذه ورأى شجرة التين يبست بعد أن لعنها أمس، حيث ترمز هذه الشجرة إلى اليهود بأن الشكل جميل من الخارج لكنها غير مثمرة، فقال له بطرس يا معلم الشجرة أصبحت بلا ورق تمامًا، فأكد لهم اليسوع أن الإيمان يجعل الجبل ينتقل من مكانه وليس الشجرة فقط.
كما قضي السيد المسيح بقية النهار فى الهيكل مع تلاميذه يجاوبهم ويكلمهم عن المجىء الثانى ويوم الدينونة العظيم والاستعداد له مثل الكرامين الأشرار، وعرس ابن الملك، وفى هذا اليوم رد المسيح على أسئلة الفريسين بوجوب إعطاء الجزية لقيصر، والصدوقيون الذين يسألون بمكر عن القيامة وهم ينكرونها، وكلمهم عن خراب الهيكل ومثل العشر عذارى.
وفى المساء ترك الهيكل ومضى وفى نيته عدم العودة إليه البتة وذهب إلى بيت عنيا ليستريح بعد أن قال لليهود هودا بيتكم يترك لكم خرابا لأننى أقول لكم لا تروننى منالآن حتى تقولوا مبارك الآتى باسم الرب.ائتها لأحداث اليوم لموضوع المجيء الثاني، وإعلان المسيح عن مجيئه الثاني لدينونة العالم عندما يجلس على كرسي مجده ويُجازي كل واحد حسب أعماله، وذلك من خلال حديثه مع تلاميذه في الهيكل عن المجيء الثاني ويوم الدينونة العظيم والاستعداد وذلك من خلال مثل الكرامين الأشرار.
وفي هذا اليوم أيضًا تُضاف عبارة "مخلصي الصالح" على تسبحة "لك القوة والمجد والتي تتردد على مدى الأسبوع" يأتي هذا ابتداءً من الساعة الحادية عشر من اليوم الثلاثاء؛ لأن المسيح في إنجيل هذه الساعة حدد ميعاد صلبه بقوله "تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلم ليصلب" (مت 26: 2)، كما يقال مزمور "كرسيك يا الله"، وهو مزمور تم تلحينه بنغمة "شامي" تتلى كنوع من الاعتراف بقوة المسيح بالرغم من صلبه
ويشكل أسبوع الآلام أو أسبوع "البصخة المقدسة" بشكل عام فلسفة خاصة في الفكر الكنسي، حيث يشير في مُجمله إلى عبور النفس البشرية من رحلة الأتعاب وأوجاع الخطية إلى فرح الانتصار بالقيامة، وتناسب القراءات هذه التشبيهات، ولكل يوم قراءاته الخاصة وعظاته وألحانه التي يتميز بها عن اليوم الذي يسبقه.
من جهته قال نيافة الأنبا إرميا، الأسقف العام، ورئيس المركز الثقافي الأرثوذكسي، في فيديو له إن كثيرين، خاصة من الشباب، يتساءلون عن بداية أسبوع الآلام ولماذا يُطلق عليه «البصخة المقدسة»، موضحًا أن هذا الأسبوع لم يبدأ فجأة، بل هو امتداد طبيعي لمسيرة طويلة من الآلام في حياة السيد المسيح منذ ميلاده.
وأضاف نيافته أن آلام السيد المسيح بدأت منذ اللحظة الأولى لميلاده، حين سعى الملك هيرودس لقتله، فأمر بقتل أطفال بيت لحم ظنًا أن المسيح بينهم، وهو ما اضطر السيدة العذراء مريم إلى الهروب بالطفل إلى أرض مصر، التي تباركت بقدومه.
وأشار إلى أن خدمة السيد المسيح على الأرض كانت مليئة بالآلام، نتيجة المؤامرات المستمرة من الكتبة والفريسيين، بدافع الحسد من محبة الشعب له، مؤكدًا أنهم حاولوا قتله أكثر من مرة، لكنهم لم ينجحوا لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد، حتى جاء الوقت الذي سلّم فيه ذاته بإرادته لفداء العالم.
وأوضح الأنبا إرميا أن المؤامرة الحقيقية بدأت تتشكل مع تزايد شعبية السيد المسيح، حيث التف حوله الآلاف، وانبهروا بتعاليمه ومعجزاته، وهو ما أثار غيرة قادة اليهود، فحاولوا تشويه صورته، مدعين أن معجزاته ليست من الله، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل.
وقال إن معجزة إقامة لعازر من الموت شكّلت نقطة تحول كبيرة، إذ أحدثت صدى واسعًا في اليهودية والمناطق المحيطة، وآمن بسببها كثيرون، ما دفع رؤساء الكهنة والفريسيين إلى عقد مجمع للتشاور، انتهى بقرار التخلص من المسيح، بل والتفكير في قتل لعازر أيضًا لإخفاء دليل المعجزة.
ولفت إلى أن دخول السيد المسيح إلى أورشليم في «أحد الشعانين» زاد من حدة التوتر، حيث استقبله الشعب كملك بهتافات الفرح، بينما كان قادة اليهود ممتلئين غضبًا، لكنهم لم يستطيعوا الاقتراب منه خوفًا من الجماهير، فازداد تصميمهم على قتله.
وأكد الأنبا إرميا أن التحول الكبير في موقف الشعب جاء نتيجة رفض السيد المسيح أن يكون ملكًا أرضيًا، وإعلانه أن مملكته ليست من هذا العالم، وهو ما خيب آمال البعض الذين كانوا ينتظرون مملكة زمنية، فاستغل القادة هذا الأمر لاستمالة الشعب ضد المسيح.
وواصل الأنبا إرميا قائلًا إن السيد المسيح، عندما شعر باقتراب ساعة الصليب، بدأ يتحرك لإتمام خطة الفداء، فطهّر الهيكل، ووبّخ القيادات الدينية، واستمر في طريقه نحو الصليب بإرادته، ليحقق الخلاص للبشرية، مؤكدًا أن أسبوع البصخة المقدسة هو خلاصة هذه المسيرة المملوءة بالحب والفداء.
وفي سياق ذاته، أكد الأنبا إرميا إن طقس أسبوع الآلام في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية يتميز بخصوصية فريدة، لا مثيل لها، سواء من حيث الصلوات أو الألحان أو عمق الممارسات الروحية، مؤكدًا أن هذا الأسبوع يُعد ذروة الحياة التعبدية في الكنيسة.
وأضاف نيافته أن الصوم خلال هذا الأسبوع يبلغ أعلى درجات النسك مقارنة بأي صوم آخر، حيث تتسم العبادة بعمق شديد، ويجتمع المؤمنون داخل الكنائس طوال أيام الأسبوع للمشاركة في صلوات البصخة المقدسة.
وأوضح أن الأديرة تمثل النموذج الأعمق لهذا الالتزام، إذ تُصلى «ساعة البصخة» في توقيتها المحدد، ساعة بساعة، دون جمع للصلوات أو اختصار، فتُقام الصلوات النهارية والمسائية كل في وقتها، بدءًا من باكر ثم الثالثة والسادسة والتاسعة، وصولًا إلى بقية الساعات، مع الالتزام الكامل بكل تفاصيل الطقس.
وأشار الأنبا إرميا إلى أن الصلوات تُتلى كاملة من بدايتها إلى نهايتها، دون حذف أو اختزال، ودون ما يُعرف بـ«سكتة جمعة»، وذلك بهدف الحفاظ على عمق الصلاة ووحدتها الروحية، حيث يعيش المؤمن حالة من التركيز والانسجام الداخلي مع كل كلمة تُقال.
وأكد أن القراءات المختارة من العهدين القديم والجديد، إلى جانب الألحان المميزة، تحمل تأثيرًا روحيًا خاصًا، إذ تدخل إلى أعماق النفس البشرية، وتشكل وجدانًا روحيًا فريدًا خلال هذا الأسبوع.
وروى نيافته تجربة شخصية تعود إلى عام 1999، عندما أوفده قداسة البابا شنودة الثالث للصلاة في إحدى الكنائس بمدينة لاهاي في هولندا، موضحًا أنه التزم هناك بنفس نظام الصلوات المتبع في الأديرة، من حيث الترتيب والدقة والالتزام الكامل بكل ساعة.
وأضاف: «خلال الصلوات، لاحظت شخصًا غير مصري، بدا من ملامحه أنه صيني، دخل الكنيسة بالصدفة، وتأثر بطريقة الصلاة رغم أنه لم يكن يفهم شيئًا مما يُقال. ومع تكرار السجود، بدأ يقلد الحركات، ثم عبّر لي عن تأثره العميق، وطلب أن يفهم ما يحدث».
وتابع الأنبا إرميا أنه شرح له معاني الصليب وآلام السيد المسيح، وكيف تمت عملية الصلب، مشيرًا إلى أن هذا الشخص قدّم لاحقًا شرحًا علميًا وطبيًا لما يحدث في الجسد أثناء الصلب، وهو ما عزز قناعته، حتى انتهى به الأمر إلى قبول الإيمان ونوال سر المعمودية.
كما أشار إلى واقعة أخرى لسيدة هولندية حضرت الصلوات، وتأثرت بها بشكل كبير، وطلبت الانضمام إلى الكنيسة، موضحًا أن قوة الطقس القبطي تكمن في عمقه الروحي، وليس فقط في كلماته.
وأكد نيافته أن الألحان الكنسية، بمختلف اللغات مثل العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والبرتغالية، تمتلك تأثيرًا قويًا، إذ تنفذ إلى أعماق النفس وتُشكّل المشاعر الروحية لدى الإنسان.
وواصل قائلًا: «إذا وقف الإنسان داخل الكنيسة بخشوع حقيقي، وعاش معاني الصلوات بصدق، فلا بد أن يتغير قلبه مهما كانت حالته، لأن أسبوع الآلام يحمل نعمة خاصة قادرة على تجديد النفس الإنسانية».
كما أكد نيافة الأنبا إرميا أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تتبع نظامًا طقسيًا خاصًا خلال أسبوع الآلام، يتمثل في تعطيل غالبية الأسرار الكنسية، في إطار التركيز الكامل على آلام السيد المسيح.
وأوضح نيافته أن جميع أسرار الكنيسة تتوقف خلال هذا الأسبوع، باستثناء سرّين فقط هما سر الاعتراف وسر الكهنوت، مشيرًا إلى أنه لا تُقام معموديات خلال هذه الفترة، وعلى من يرغب في نوال سر المعمودية أن يتمها قبل أو بعد أسبوع الآلام، كما لا يُستخدم زيت الميرون أيضًا خلال هذه الأيام.
وأضاف أن الكنيسة لا ترفع البخور خلال أسبوع الآلام، ولا تُقام القداسات الإلهية، باستثناء يومي خميس العهد وسبت النور فقط، مؤكدًا أنه من غير الممكن إقامة سر الزيجة خلال هذا الأسبوع نظرًا لطبيعته الروحية الخاصة.
وفيما يتعلق بسر مسحة المرضى، أشار الأنبا إرميا إلى أن صلواته تُقام في «جمعة ختام الصوم» قبل بدء أسبوع الآلام، وليس خلاله.
أما في حالات الوفاة، فأوضح نيافته أنه لا تُقام صلوات تجنيز خلال أسبوع الآلام، لافتًا إلى أنه في حال انتقال أحد، يتم وضع الجثمان داخل الكنيسة، غالبًا في منتصفها، بينما تستمر صلوات البصخة، ويشارك الحضور في إحدى الصلوات أو إحدى الساعات، ثم يقرأ الكاهن «صلاة التحليل» ويتم الدفن.
وتابع: «نكون قد صلّينا صلوات التجنيز مسبقًا بعد قداس أحد الشعانين، حيث يحتفظ الكاهن بماء صُلّي عليه، ويُرش به على المنتقل إذا لم يكن قد حضر تلك الصلوات».
وبشأن صلوات الأجبية، أكد الأنبا إرميا أنها لا تُصلّى خلال أسبوع الآلام، ويتم استبدالها بصلوات البصخة، التي تشمل السواعي المختلفة مثل باكر والثالثة والسادسة والتاسعة والغروب والنوم ومنتصف الليل.
وأوضح أن هذا التغيير يأتي لأن صلوات الأجبية تتناول مناسبات متعددة في حياة السيد المسيح، مثل الميلاد والمجيء الثاني وحلول الروح القدس، بينما تسعى الكنيسة خلال هذا الأسبوع إلى التفرغ الكامل للتأمل في آلام المسيح فقط.
وأشار إلى أن بعض صلوات الأجبية، مثل السادسة والتاسعة، ترتبط بالصلب والموت، إلا أن الكنيسة تؤجل التركيز عليهما إلى يوم الجمعة العظيمة، حيث يتم تتبع أحداث الصلب بشكل دقيق ومتكامل.
وأكد الأنبا إرميا أن الهدف من هذا النظام هو معايشة أحداث الآلام «خطوة بخطوة»، منذ دخول السيد المسيح إلى أورشليم، مرورًا بالأحداث اليومية، وصولًا إلى الصليب.
وأضاف أن الكنيسة تختار من المزامير ما يتناسب مع هذا الأسبوع فقط، وتستخدمها في بداية قراءات الإنجيل، بينما تُترك المزامير الأخرى التي تحمل معاني لا تتوافق مع طبيعة هذه الأيام.
واختتم نيافته تصريحاته مؤكدًا أن هذا الطقس الفريد يعكس عمق الروحانية في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ويساعد المؤمنين على الدخول في حالة تأمل حيّ في آلام السيد المسيح، بما يترك أثرًا روحيًا عميقًا في حياتهم.
















0 تعليق