اتهامات متبادلة بين الاخوان الهاربين عن تمويل ايراني

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الجمعة 03/أبريل/2026 - 03:24 م 4/3/2026 3:24:20 PM


خبر القبض على الاخوانجي الهارب علي عبد الونيس ليس مجرد واقعة أمنية عابرة، لأنني أراه حجر أُلقي في مياه راكدة، فكشف ما تحت السطح من تشققات داخل معسكر التنظيمات الهاربة، تصاعد الخلافات بين عناصر الجماعة في الخارج والاتهامات المتبادلة بعضها مالي فاضح، وبعضها أخلاقي أكثر قتامة يجعلنا نعيد قراءة المشهد.
الصراع الذي تحركه المصالح لا المبادئ.

وسط هذا المشهد يلخصه تصريح الهارب محمد الصغير ليفتح بابًا أكثر تعقيدًا، حين أشار إلى تمويل إيراني يصل إلى بعض العناصر، هنا لم تعد المسألة مجرد خلاف داخلي بل تحولت إلى تقاطع إقليمي يربك القراءة ويثير أسئلة حول طبيعة العلاقة بين إيران والتنظيم منذ عام 2013 وحتى الآن.

جذور هذا التقاطع تعود إلى ما قبل تصريح الصغير، بالتحديد لحظة حكم محمد مرسي، وقتها بدت المسافات بين القاهرة وطهران أقرب مما كانت عليه لعقود، كانت زيارة محمود أحمدي نجاد إلى مصر في 2013 حدثًا لافتًا، لأنها الأولى لمن سغل موقع رئيس إيران منذ عقود، ولأنها حملت دلالات سياسية تتجاوز البروتوكول، وتشير إلى رغبة متبادلة في كسر الجليد وإعادة صياغة العلاقات.
في تلك اللحظة، حاولت جماعة الإخوان أن توازن بين حساسيات الداخل المصري، الذي ينظر بريبة إلى إيران، وبين طموحها في فتح قنوات جديدة مع  إيران، لم يكن الأمر تحالفًا معلنًا، لكنه كان اختبارًا لإمكانية التقارب، ولو في حدوده الدنيا، غير أن هذا التقارب ظل محكومًا بحسابات دقيقة، لأن أي اندفاع كامل نحو إيران كان كفيلًا بإثارة قلق داخلي وإقليمي واسع.
الأكثر إثارة للجدل في تلك الفترة لم يكن فقط التقارب الدبلوماسي، بل ما تردد عن تصورات داخل بعض دوائر الجماعة بشأن إعادة تشكيل بنية القوة داخل الدولة، وقتها ظهرت أحاديث عن أفكار تتعلق بإنشاء كيانات موازية للمؤسسات التقليدية، على غرار نموذج الحرس الثوري الإيراني، وهو ما أثار مخاوف عميقة لدى قطاعات واسعة من المصريين، الذين رأوا في ذلك تهديدًا مباشرًا لفكرة الدولة الوطنية ومؤسساتها.
سواء كانت هذه التصورات مجرد أفكار غير مكتملة أو طموحات لم تجد طريقها إلى التنفيذ، فإنها ساهمت في ترسيخ صورة ذهنية عن الجماعة باعتبارها تحاول استنساخ تجارب لا تتسق مع السياق المصري، وهنا تداخلت المخاوف السياسية مع الحساسية التاريخية، ليصبح أي تقارب مع إيران محاطًا بهالة من الشك والقلق.
ثم جاءت لحظة ثورة 30 يونيو لتقطع هذا المسار قبل أن يتبلور، وإعادة ضبط شاملة للاتجاهات، أعادت مصر إلى تموضعها التقليدي، وأغلقت الباب أمام أي احتمالات لتقارب من هذا النوع، وبذلك، يمكن القول إن المسافة التي كانت قد بدأت تضيق بين الإخوان وإيران عادت لتتسع فجأة، لكن آثار تلك اللحظة بقيت حاضرة في الذاكرة السياسية.
بعد 2013، عاد التقارب الإخواني / الإيراني في شكل مختلف أكثر غموضًا وأقل رسمية، لم تعد هناك زيارات معلنة واتجهت العلاقة إلى مسارات غير مباشرة، تحكمها السرية والإنكار، وفي هذا السياق، تصبح الاتهامات المتبادلة بين عناصر الجماعة في الخارج انعكاسًا لحالة سيولة، حيث تختلط الحسابات الشخصية بالإقليمية، ويتحول التمويل إلى أداة صراع داخلي.
أما في الشارع المصري، فقد ساهمت هذه الخلفيات في تشكيل موقف مركب من إيران، فبينما قد يتعاطف البعض مع مواقفها في صراعها مع الولايات المتحدة، يظل هناك تحفظ واضح تجاه أي دور لها في الداخل العربي، خاصة إذا ارتبط بتنظيمات فقدت ثقة قطاعات واسعة من المصريين، هذه الازدواجية ليست تناقضًا بقدر ما هي تعبير عن وعي يميز بين الصراع الدولي والمصلحة الوطنية.
وهكذا لا تعود الاتهامات الحالية مجرد خلافات بين هاربين، بل صدى متأخر لتلك اللحظة التي اقتربت فيها المسافات أكثر مما ينبغي، قبل أن يعيدها الواقع إلى حدودها الصارمة.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق