ترجمات .. كتاب «النيل فى العصر البريطانى» حين يدير الغرب الصراع على مياه النيل

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

يستحق هذا الكتاب قراءة متأنية، حيث يوثق لفترة تاريخية مهمة حافلة بالأطماع والخلافات الدولية، غير أن القضية الرئيسية فى الكتاب تختص بهم تاريخى مصرى وإفريقى، حيث يعرض الكتاب لقضية أزلية، وهى الصراع حول مياه النيل، وتكمن أهمية الكتاب فى كونه يمثل مراجعة دقيقة لأهم محطات النزاع حول هذا الشأن، ومن ثم فإن الكتاب رغم قدمه فإنه يمثل همًا متجددًا ومعاصرًا، يتعين على المسؤولين قبل القارئ العادى أن يقرأوا هذا الكتاب بتدقيق شديد، أما الكتاب فهو بعنوان «النيل فى العصر البريطانى»، وهو تأليف ترجى تفيدت، الأكاديمى النرويجى، وأستاذ الجغرافيا فى جامعة برجين، وأستاذ التاريخ العلمى بجامعة أوسلو بالنرويج، والكتاب يفسر كيف سبّب الاستعمار البريطانى جذور الصراع الحالى حول مياه النيل. وهو صادر حديثًا عن المركز القومى للترجمة، ومؤلف الكتاب هو الأكاديمى النرويجى ترجى تفيدت، من مؤلفاته «نهر النيل البريطانى»، «تاريخ المياه»، «نهر النيل فى عصر ما بعد الاستعمار» و«رحلة فى مستقبل المياه». أما مترجم الكتاب فهو سعد الطويل، الذى عمل مترجمًا فى اليونسكو والأمم المتحدة، وتحرير المادة التاريخية فكان لداليا سعد الدين، الباحثة فى الشؤون الإفريقية. والكتاب يعدّ قراءةً وتحليلًا لأحداث مهمة فى السياسة العالمية لإدارة مياه النهر، فكان إما التصعيد أو التخفيف من حدة الصراع للسيطرة والتحكم فى مياه النيل، وفقًا لما يتناسب مع سياسات الإمبراطورية البريطانية بالدرجة الأولى، إذ إنها المتحكم الأساسى فى المياه إلى النصف الثانى من القرن العشرين. وكانت الحكومات الأوروبية خلال فترات السيطرة الاستعمارية على القارة الإفريقية عمومًا، وفى حوض النهر بشكل خاص، قد تحكمت فى إدارة تقسيم مناطق نفوذ محددة لسهولة السيطرة عليها، ومن ثم التحكم فى مقدرات شعوب حوض النيل، كما استخدمت مياه النيل عامل ضغط على حكومات تلك الشعوب، سواء قبيل ترسيم الحدود من قبل المستعمر، أو بعد محاولات الشعوب خوض معارك استقلالها السياسى والاقتصادى، على حد سواء.

وتبدأ فصول الكتاب من ضرب الأسطول البريطانى الإسكندرية ومن بعدها احتلال مصر فى عام 1882، بعد هزيمة العرابيين، وصولًا لحرب السويس 1956، وخطة بريطانيا السرية لخنق وطنية جمال عبدالناصر بتحويل مياه النيل الأبيض، كما يقدم تحليلًا جديدًا لسبب وكيفية سيطرة البريطانيين على الحوض بأكمله، ويقدم الفصل الثانى كيف قام البريطانيون مع بداية القرن العشرين بحملة للسيطرة على حوض النيل، وظهر رجلان بارزان فى هذا المخطط، هما وليام جاستن، وكيل وزارة الأشغال المصرية لما يقرب من عقدين، واللورد كرومر، محرك السياسة المصرية منذ عام 1883 حتى 1907.

تحت عنوان «العصا والجزرة» جاء الفصل الثالث من الكتاب وقد عرض لأثر ثورة 1919 على الاستراتيجية البريطانية، وكيف أعيد ترتيب العلاقات بين مختلف الكيانات الثقافية والسياسية تحت تأثير هذه السياسة، وكيف تغير شكل طبيعة الحوض، ويبين من خلال الوقائع التاريخية كيف كان هذا المشروع جزءًا لا يتجزأ من خطة بريطانيا لخلق سودان يستقل تدريجيًا عن مصر، وأورد المؤلف مذكرة سرية صدرت من الخارجية البريطانية لإعادة تقييم سياساتها عقب إعلان استقلال مصر أواخر 1922، وكان مما جاء فيها «فى استطاعة حكومة صاحب الجلالة أن تهدد حكومة مصر بخفض مواردها المائية بعد إقامة خزان على بحيرة تانا بإثيوبيا، وهو ما سوف يبعث القلق فى قلوب المصريين ويهيئ لحكومة صاحب الجلالة بعد انتهاء أعمال السد إدارة حكم مصر بشكل كبير للغاية».. هكذا اعتبرت الإمبراطورية البريطانية أن تأديب مصر وإخضاعها يكون بالتحكم فى النيل عن طريق خزان تانا بمنطق العصا والجزرة! بعد أن تبينت إنجلترا أن سدود النيل الأبيض لن تؤثر سلبًا سوى على 15% فقط من تدفقات المياه لمصر بينما سدود النيل الأزرق من بحيرة تانا بإثيوبيا سوف يكون تأثيرها أكثر سلبًا على 85% من موارد مصر المائية. واجتهدت الحكومة البريطانية فى الحصول على حق بناء خزان على بحيرة تانا بإثيوبيا لإخضاع مصر سياسيًا وتكتمت الاتصال بإمبراطور الحبشة «منليك» حتى توصلت معه إلى توقيع معاهدة 1902 التى نصت المادة الثالثة بها على «يتعهد جلالة الإمبراطور منليك الثانى ملك ملوك إثيوبيا لحكومة جلالة ملك بريطانيا، بألا يبنى أو يسمح ببناء أى منشآت على بحيرة تانا أو النيل الأزرق أو السوباط قد تعرقل جريان الماء فى النيل إلا بالاتفاق مع حكومة جلالة ملك بريطانيا وحكومة السودان وذلك مقابل 10 آلاف جنيه إسترلينى سنويًا، على أن يتم إيداع الدفعة الأولى وقيمتها 15 ألف جنيه بحساب منليك بالبنك الأهلى المصرى». وهو ما يبدو أنه لم يلق رضاءه، فتم سحب العرض وتأجل موضوع سد بحيرة تانا إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، بالرغم من محاولات إحياء معاهدة 1902 بمضاعفة القيمة السنوية إلى عشرين ألف جنيه إسترلينى لحساب الإمبراطور وإيداعها بنك الحبشة بدلًا من الأهلى لزيادة السرية.

بعد ذلك يقدم الكتاب سياسات النيل بعد الحرب العالمية الثانية، ويحاول أن ينظر لتاريخ سد أسوان العالى، ويقدم وصفا لخطط بريطانيا لأعالى النيل فى أوغندا وجنوب السودان، ثم التطورات بعد تأميم قناة السويس فى يوليو 1956، بعد اعتبار الزعيم جمال عبدالناصر هو أخطر هجوم على مصالح بريطانيا الاستراتيجية فى الشرق الأوسط.

أخبار ذات صلة

0 تعليق