سمير غانم ومائة سنة على اكتشاف المصريين ذواتهم المُنفردة

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

ظل المصريون، أى مَن وُلدوا على أرض مصر، فى قُراها ومُدنها وصحاريها، لا يعرفون أنهم مصريون، من موقع شلالات أسوان جنوبًا، إلى أمواج البحر الصاخبة فى الإسكندرية، أو أمواج نفس البحر الناعمة فى مرسى مطروح، شمالًا.

نعم كانوا يتحدثون لُغة عربية، وإن بلكنات مُختلفة. وكانوا يعرفون أنهم مسلمون أو أقباط، وأنهم من تلك الأسرة أو تلك القبيلة، كما يتعلمون من أمهاتهم وآبائهم الأصول والمهارات الاجتماعية فى احترام الكبار، والاحتفاء والاحتفال بالمُناسبات الدينية، والأعياد المدنية القديمة مثل شم النسيم وعيد الأم. وفى كل ذلك تكونت هوّية اجتماعية مصرية، تكرّست وتعمّقت بإجادة المصريين ممارستين متناقضتين، وهما فن الأحزان وفن الإضحاك.

ومع أن الحُزن والفرح مشاعر إنسانية عند كل البشر، مصريين وغير مصريين، إلا أن المصريين دون بقية شعوب الشرق الأوسط والأمة العربية قد أضفوا على تلك المشاعر صورًا تعبيرية، تخصم أكثر من غيرهم من شعوب الجوار. وربما أسهمت فى ذلك الآداب والفنون الأدائية، مثل القصة والرواية والمسرح والسينما، التى كان المصريون أسبق من جيرانهم فى الأخذ بها وإجادتها.

من ذلك أن شعوب المنطقة لم نُنجب حديثًا، مثلًا، إلا أحمد شوقى واحد، وسمير غانم واحد، وعادل إمام واحد، ومحمد صُبحى واحد. رحم الله مَن رحل منهم عن دُنيانا، وأطال فى عُمر الأحياء منهم لكى يستمروا فى إدخال البهجة إلى نفوسنا.

إننى أكتب هذا المقال لا لتأبين سمير غانم، الذى كتب عنه الكثيرون قبل وبعد رحيله فى شهر مايو 2021، ولكن لأن قارئًا وفيًا لمقالاتى، وهو السباح السكندرى المُخضرم (تسعون عامًا)، والذى كان من أوائل مَن عبروا مضيق المانش، 30 كيلومترًا، بين إنجلترا وفرنسا مرتين، ذهابًا وإيابًا، فى منتصف القرن العشرين. وقد عاتبنى بشدة لعدم الكتابة عن الفنان الراحل سمير غانم، الذى كان عاشقًا لفنه.

فما الجديد الذى يمكن أن أضيفه إلى جانب العشرات، إن لم يكن المئات، الذين كتبوا عنه بالفعل؟

لقد رجعت بذاكرتى إلى البدايات فى أوائل الستينيات من القرن العشرين، وكُنت فى السنة الدراسية الأخيرة من قسم الاجتماع فى كُلية الآداب، بجامعة القاهرة. وكان ضمن زُملائى فى نفس الكُلية زميلان لهما ميول فنية، أحدهما شديد الجدية، وكان اسمه وحيد حامد، والآخر شديد التهريج وهو الضيف أحمد. وبينما لم تظهر لنا فى حينه الموهبة الإبداعية لوحيد حامد، الذى أخذ اكتشافها عشر سنوات بعد تخرجهما فى الجامعة. فرض الضيف أحمد نفسه علينا فى الدُفعة، من أكتوبر 1956 إلى يونيو 1960، فقد كان نحيلًا قصيرًا، ومُجرد النظر إليه، حتى قبل أن يتفوه بكلمة أو يبدأ بحركة مدعاة للضحك.

ولذلك كان الضيف أحمد طوال سنوات الدراسة الأربع هو المسؤول عن تنظيم الحفل السنوى للدُفعة. وفى آخر سنة، 1960، استدعى رفيقين من خارج القسم، ومن خارج الكُلية، كان قد تعرف عليهما من خلال مُسابقات التمثيل فى أسبوع الجامعات، وهما جورج سيدهم، المُسرف فى وزنه وطوله مُقارنة بالضيف أحمد، والثانى، وهو سمير غانم، مُسرف فى لون بشرته السمراء وفى تحركاته. وقد أضحكنا ذلك الثُلاثى، كما لم نضحك طوال السنوات الأربع لدراستنا الجامعية.

وأظن أن ذلك الحفل، وربما حفلات مُماثلة فى كُليتى الزراعة والتجارة، التى درس فيها كل من جورج سيدهم وسمير غانم كانت وراء شُهرتهم المُبكرة، التى مهّدت لظهورهم فى الإذاعة، ثم التليفزيون، الذى بدأ إرساله فى مصر فى نفس سنة تخرجنا، 1960.

اختطف الموت الضيف أحمد مُبكرًا، مُنتصف الستينيات، ثم أُصيب جورج سيدهم بمرض مُزمن فى السبعينيات، أوقفه عن التمثيل، فلم يبقَ من ثُلاثى أضواء المسرح إلا سمير غانم، الذى ملأ فراغ غياب زميليه وصديقيه- الضيف وجورج، بجدارة، من خلال شخصيات فُكاهية قدّمت فوازير رمضان فى سنوات مُتتالية، مثل فطوطة وغيرها.

ولأن مصر ولّادة، كما يحلو للمصريين أن يصفوا بلدهم، ظهر فى مُنتصف سنوات تألق الثُلاثى نجوم آخرون، مثل محمد صُبحى، وعادل إمام، وشريهان، ولبلبة، وسُعاد حُسنى، وغيرهم ممن يكوّنون قوة مصر الناعمة، التى لا يُباريها أى بلد آخر فى المنطقة. فحتى مَن وهبهم الله قُدرات فنية وإبداعية مُتميزة فى بُلدان الوطن العربى، لا تتألق مواهبهم، ولا يُشار إليها بالبنان إلا إذا احتضنتهم مصر، وصقلت مواهبهم، وقدمتهم فى قالبها الذى تعودت عليه وأحبته الجماهير العربية، من الخليج إلى المُحيط. ويشمل هؤلاء «جورج» ودولت أبيض وبشارة واكيم من الشام، ونجيب الريحانى من العراق، وأسمهان وفريد الأطرش من لبنان، وفايزة أحمد من سوريا، ووردة من الجزائر.

رحم الله سمير غانم وزميليه، اللذين سبقاه وكانا فى انتظاره ليلتئم الثُلاثى إلى الأبد فى جنات الخُلد والنعيم.

وعلى الله قصد السبيل..

[email protected]

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق