المعافاة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

المعافاة ليست أن تُعفى من كل شىء نهائيًا، ولا أن تختفى مخاوفك وكأنها لم تكن.
المعافاة الحقيقية هى أن تواجه خوفك، وأن تقاوم فى كل مرة شعرت فيها أنك ضعيف، بينما فى داخلك يقين بأن الله زرع فى قلبك من الإيمان ما يكفى لتتجاوز كل هذا.

افتكر الوقت اللى كنت فاقد فيه الأمل، وربنا نجاك.
افتكر الأشياء الجميلة اللى عشتها، وكانت يومًا مجرد دعوات تدعو بها ربنا.
افتكر الدعوات المستجابة اللى كنت فاكر إن ربنا مش هيقبلها.
وافتكر إنك فى يوم فتحت باب رزق لشخص بالصدفة، وكان نصيبك منه دعوة صادقة، يمكن كانت سببًا فى باب خير اتفتح لك بعدها.

افتكر كل مرة تعبت فيها وكنت لوحدك، ومع ذلك قاومت وكملت.
وافتكر إن عندك أحلامًا رسمتها فى خيالك يومًا، ثم رأيتها تتحقق أمام عينيك.

أنا مؤمنة أن الله لو لم يعلم أننى أستطيع العبور، ما وضعنى فى كل هذه المواقف التى اختبرت إيمانى وصبرى وقوتى.

ومع الأيام أدركت أننى تحملت كثيرًا، للدرجة التى جعلت الاستسلام شيئًا لا يشبهنى.

لقد أذاقنى الله لذة النجاح، وذقت أيضًا مرارة الفقدان.
لم تكن حياتى حياة عادية؛ فقد تحملت مسئوليات أكبر كثيرًا من سنى، وعشت أشياء جعلتنى أكبر قبل وقتى.

ورغم كل شىء، كان بداخلى دائمًا يقين بأن هناك عوضًا جميلًا ينتظرنى، عوضًا قادرًا على أن يمحو مرارة الكثير مما عشته.

ولكننى ما زلت أبحث عن شىء ناقص بداخلى…

ربما هو العائلة.

ذلك الشعور الذى لا أعرفه جيدًا، ولا أعرف حتى كيف يكون إحساسه.

لست قريبة من عائلتى بالقدر الذى يجعلنى أقول إننى أشعر بهذا الدفء. فمنذ سنوات طويلة وأنا وحيدة. وربما آخر مرة أتذكر فيها هذا الإحساس كانت وأنا فى المرحلة الثانوية، حين كانت لدى عائلة جميلة ومتماسكة.

أما الآن، فلا أعرف هذا الشعور.

بطريقة ما، اخترت أن أكون وحيدة تمامًا. وربما تعودت على الوحدة لدرجة أننى لم أعد أشعر بالاشتياق بسهولة إلى أحد.

أشتاق إلى أبى وأمى، بالتأكيد، لكن مشاكلهما وأنا صغيرة ظلت تلاحقنى وأنا أكبر. ذكريات كنت أعتقد أنها انتهت، لكنها عادت فى صورة كوابيس ومخاوف، وجعلتنى أدرك أن ما نعيشه فى طفولتنا قد يظل يسكن جزءًا منا حتى بعد أن نكبر.

ولهذا صرت أبحث عن إحساس الأمان فى وحدتى.

صرت لا أثق بسهولة فى أى شخص، وأصبحت أحاول أن أتعافى بنفسى، وبصلاتى، وبقربى من الله.

واكتشفت أن مواجهة مشاكلى بدلًا من الهروب منها، ومحاولة حلها بنفسى، جزء كبير من المعافاة.

المعافاة بالنسبة لى لم تعد أن أنسى ما حدث، بل أن أتذكره دون أن يهزمنى.
أن أعرف مخاوفى وأواجهها.
أن أسقط، ثم أعرف كيف أقف مرة أخرى.
أن أكون خائفة، ومع ذلك أستمر.

واليوم، رغم كل ما تجاوزته، ما زلت أبحث عن النجاة من كل هذا الخوف والقلق.

لكن الفرق أننى الآن أعرف شيئًا لم أكن أعرفه من قبل:

لقد نجوت مرات كثيرة كنت أظن فيها أننى لن أنجو.

وفى كل مرة ظننت أن الطريق انتهى، فتح الله لى طريقًا آخر.

لذلك سأظل أؤمن أن العوض قادم، وأن الأمان الذى أبحث عنه سأجده يومًا، وأن كل ما مررت به لم يكن نهاية حكايتى…

بل كان جزءًا من معافاتى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق