لم تكن الرواية بالنسبة إلى الأديب الجزائري الطاهر وطار مجرد مساحة للحكي، وإنما كانت وسيلة لقراءة تاريخ بلاده وتحولاته السياسية والاجتماعية، وتفكيك علاقة الإنسان بالثورة والسلطة والمجتمع. ومن خلال أعماله، استطاع أن يجعل من الجزائر، بتاريخها وصراعاتها وأحلامها وانكساراتها، مادة أدبية تتجاوز حدود المكان لتصل إلى القارئ العربي والعالمي.
وُلد الطاهر وطار في 15 أغسطس 1936 بمنطقة عين الصنب في ولاية سوق أهراس شرقي الجزائر، وتلقى تعليمه في معهد ابن باديس بقسنطينة، قبل أن ينتقل إلى جامع الزيتونة في تونس. وخلال سنوات الثورة الجزائرية، التحق بصفوفها، ثم خاض لاحقًا تجربة في الصحافة والعمل الثقافي والسياسي.
بدأ وطار مسيرته الأدبية بالقصة، ومن أعماله المبكرة مجموعة «دخان من قلبي» التي صدرت عام 1961، قبل أن يكرس حضوره بوصفه واحدًا من أبرز رواد الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية.
في عام 1974، صدرت روايته الأشهر «اللاز»، التي تناولت الثورة الجزائرية من زاوية مختلفة، فلم تكتفِ بتقديم صورة بطولية للتاريخ، وإنما طرحت أسئلة شائكة حول الصراع الداخلي، والإنسان الذي وجد نفسه وسط أحداث أكبر منه؛ ولهذا اعتُبرت الرواية من الأعمال المفصلية في تاريخ الرواية الجزائرية الحديثة.
وفي العام نفسه تقريبًا، جاءت رواية «الزلزال» لتتناول التحولات الاجتماعية والسياسية في الجزائر، وتنتقد النزعة الإقطاعية، مؤكدة أن اهتمام وطار لم يكن بالتاريخ بوصفه ماضيًا، وإنما باعتباره قوة حاضرة في تشكيل المجتمع.
واصل وطار مشروعه الروائي عبر أعمال مثل «الحوات والقصر» و«عرس بغل» و«العشق والموت في الزمن الحراشي» و«تجربة في العشق» و«الشمعة والدهاليز» و«الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي»، وغيرها من الأعمال التي عكست تحولات المجتمع الجزائري، وانتقلت تدريجيًا من الواقعية والاشتباك المباشر مع الواقع إلى الرمزية والإيحاء ومساءلة الموروث.
ولم يتوقف مشروعه عند الرواية؛ فقد كتب القصة والمسرح، كما عمل في الصحافة، وتولى منصب المدير العام للإذاعة الجزائرية بين عامي 1990 و1992. وفي عام 1989 أسس جمعية الجاحظية التي تحولت إلى فضاء ثقافي مهم للحوار الأدبي والفكري وتشجيع المواهب الشابة.
استطاعت أعمال الطاهر وطار أن تتجاوز البيئة الجزائرية، وترجمت إلى نحو عشر لغات من بينها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية واليونانية والبرتغالية، ما أسهم في وصول تجربته إلى قراء خارج العالم العربي.
كما حظي بعدد من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة الشارقة لخدمة الثقافة العربية عام 2005 وجائزة الرواية لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية عام 2009.
رحل الطاهر وطار في 12 أغسطس 2010، لكن مشروعه ظل حاضرًا في المشهد الأدبي الجزائري والعربي؛ لأنه لم يكتب عن الجزائر من الخارج، بل كتب من قلب تحوّلاتها، محولًا الثورة والذاكرة والسلطة والإنسان إلى أسئلة روائية مفتوحة.














0 تعليق