هكذا تُحيى جماعة الإخوان ذكرى خيانتها

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

منذ بداية هذا الشهر نشطت كل منصات وصفحات جماعة الإخوان وصفحات أتباعها وأعضائها والسائرين فى ركبها من مرضى التأسلم السياسى فى مصر. لم تخيب الجماعة توقعات المصريين سواء عامتهم ممن شهد الأحداث، أو من دارسى وباحثى تاريخ الجماعة وباقى جماعات الإفك السياسى المتأسلم. تجنبت الجماعة – فى نشاطها الإعلامى الحالى – أى خوض فى أى حديث عما حدث قبل فض اعتصام الخيانة، كما تجنبت الخوض فيما حدث على منصة رابعة فى الليالى الأخيرة قبل الفض، وعلى وجه خاص الليلة الأخيرة. كما وقعت الجماعة كعادتها فى فخ تذكير المصريين بجرائمها فى تلك الأيام حين استفزت ذاكرتهم ومشاعرهم بهذه الحملة الممنهجة على صفحات التواصل فعادوا للأرشيف وقاموا بنشر الكثير من المواد الأرشيفية المصورة.

(1)

أكدت الجماعة مؤكدا على أن أحدا لم يظلمها حين وصفها بأنها قد تخصصت فى المتاجرة بشيئين لا ثالث لهما، الدين والد*م. الملاحظ بقوة فى حملة الجماعة الإعلامية الحالية هو صبغها بصبغة البكائية والولولة. الجماعة تعشق هذه الصبغة طوال تاريخها. تعمل على دغدغة مشاعر المصريين بالمظلومية. نجحت فى هذا فى العقود التى سبقت وصولها للحكم. نجحت بشكلٍ كبير فى تقديم نسخة مزورة من أحداث تاريخية فى الأربعينات والخمسينات والستينات. نجحت فى غرس أساطير وأكاذيب عما حدث فى عهد عبد الناصر. كتابٌ مزور نشرته زينب الغزالى أصبح كالكتاب المقدس فى دعاية الجماعة لعقود متواصلة تنشر منه جميع مطبوعات الجماعة حتى صدق مصريون كُثر – حتى مؤيدى عبد الناصر – ما ورد فى الكتاب من أكاذيبب. حين كُشف أمر الكتاب ومن كتبه وأنه من نسج خيال مؤلفه، كانت الأكاذيب قد استقرت فى عقول الكثيرين. منهج الجماعة فى أوقات تعريتها سياسيا فى الشارع حين كانت تُكشف بعض جرائها، أو هزيمتها هو أن تعمل جاهدة على إسقاط ضحايا ممن يحسبون عليها. تؤمن أن الدم هو ما يمكنه غسل سمعتها وإعادة تقديمها مرة أخرى. نفس المنهج الصهيونى الذى يعرفه أى قارىء للتاريخ. لهذا فالجماعة تصنف المنتمين لها وتقسمهم – حسب أهميتهم لها – إلى درجات.

القادة من الصف الأول وهم كبار سدنتها، والمتعاملون مباشرة مع القوى والأجهزة محليا وخارجيا وهم من يعقدون الصفقات ويسيطرون على الأموال ويضعون دستور الجماعة. القرآن الكريم برىء تماما من هذه الفرية (القرآن دستورنا) التى تصدرها الجماعة للعوام. دستور الجماعة هو دستور نفعى يكتبه هؤلاء السدنة.

ثم الصف الثانى من القادة فى المحافظات، يليه الصف الثالث من الشباب الذين يتولون على الأرض عمليات التجنيد وجمع الأموال. وهؤلاء ذوو أهمية كبرى للسدنة الكبار. يتم انتقاؤهم منذ الصغر ويصبحون كدُمى يعملون بالريموت كنترول.

الفئة التالية هم العناصر غير المعروفة، وهؤلاء هم سر ما نراه على الأرض حتى بعد هزيمة الجماعة. علمنا منهم الكثيرين، وهناك من لم نعلمهم لكن نشعر بوجودهم فى المؤسسات ومختلف أوجه الحياة فى مصر. كل هذه الفئات تمثل أهمية كبرى للجماعة وهم – رجالا ونساءً – هيكل وجسد الجماعة الحقيقى فى مصر وخارجها.

(2)

الفئة الأخيرة يمكن تسميتها بالظهير الشعبى فى الأوقات العادية التى سبقت عام حكمها يتم استعمالها حسب الحاجة أحيانا باستجواب ساذج فى مجلس الشعب عن فيلم سينمائى أو قضية عبثية، وكان استخدامهم الأهم فى تاريخ الجماعة هو أيام التصويت على الاستفتاءات والانتخابات فى عامى 2011م و2012م. وهذه الفئة ذاتها هى وقود بقاء الجماعة فى لحظات الخطر. دماء بعضهم هو القربان لبقاء جماعة الشيطان. هم الذين سترفع الجماعة قمصانهم المخضبة بالدماء فوق منابرها الإعلامية مثلما يحدث الآن. وهم الذين سوف تقبض من (الكيس أوفيسر) بالخارج ثمن دمائهم. وهم الذين سوف تتاجر بهم دوليا بصفتهم معارضين سلميين وبصفتهم من جماعتها السلمية! فى اللحظات التى تشعر الجماعة فيها أنها على وشك الموت يتحول وجهها لوجه أفعى تلذغ بعض هؤلاء وتطلق عليهم الرصاص من الخلف كما شاهدنا على الهواء مباشرة فى بعض الأحداث التى سبقت وتلت فض اعتصام الخيانة. أحد قناصى الجماعة يسير بين هؤلاء البهاليل يحمل حقيبة ويرتدى قناع وجه، يحتمى ببعض أتباعه، ثم فى لحظة فارقة يطلق الرصاص من الخلف على أحد السائرين..يقوم أتباعه بالخطوة الثانية..صراخ هستيرى شهيد شهيد شهيد..يهرولون يحملون ضحيتهم ثم تتعالى الهتافات لا إله إلا الله الشهيد حبيب الله! هذه الفئة هى الفئة المستخدَمة من قبل الجماعة  حسب الحاجة والموقف والظرف التاريخى!

لن أخوض فى تفاصيل الأيام القليلة قبل الفض لأننا عاصرناها، لكن ملخصها الذى سيكون عصيا جدا على التزوير، هو أن الدولة المصرية حاولت جاهدة أن تصرف المعتصمين وأن تمنع الاستيلاء على منطقة سكنية بسكانها وطرقها. كانت كلما بدت بارقة أمل فى الوصول لاتفاق يذهب بمقتضاه كلٌ إلى منزله، كانت تأتى الأوامر للجماعة من الخارج عبر شخصيات دبلوماسية دولية بألا يفضوا الاعتصام وأن يتمسكوا بسيطرتهم على هذه المنطقة من أجل تحقيق الهدف الأصلى وهو تفكيك مصر شأن باقى الدول فى المنطقة. كان ذلك يتفق تماما مع منهج الجماعة وغايتها التى لم تكن سوى الحكم، وفرية – الله غايتنا – مردودة عليهم، فالله لم يكن أبدا غاية هذه الجماعة منذ نشأتها وحتى دحرها فى مصر وحتى تمام زوالها كما زالت عشرات الجماعات على مر التاريخ.

ما أريد التوقف عنده هو ما حدث على منصة رابعة فى الليلة الأخيرة. كنتُ – كمعظم المصريين – أمام تلك الشاشة الصهيو عربية التى كانت تبث ما يحدث فى رابعة والنهضة على الهواء مباشرة على مدار أربعة وعشرين ساعة يوميا. فى تلك الليلة كان معظم المصريين يعرفون أو يستشعرون أن غدا هو يوم فض الاعتصام، ولقد علمتُ بذلك وأنا فى أقصى جنوب مصر. فى تلك الليلة - وفى ليالٍ سابقة – كانت طائرات القوات المسلحة المصرية تلقى بمنشورات على المعتصمين لكى تقوم بإيصال رسالة محددة لهم بعد أن حاصرتهم الجماعة وأجبرتهم على البقاء. منشورات القوات المسلحة كانت تخاطب مواطنين مصريين وتطالبهم وترجوهم وتتمنى عليهم أن يذهبوا آمنين إلى بيوتهم. ما أقوله شاهدته على الهواء مباشرة. ما كان يحدث هو أنه بمجرد أن تصل تلك المنشورات إلى الأرض يقوم بعض سدنة الجماعة بالتقاط واحدٍ منه ثم يهرول إلى المنصة صارخا بالنص (شايفين بيرموا عليكم منشورات زى قوات الاحتلال الصهيونى ما بتعمل مع الفلسطينيين!) يواصل الصراخ ويقسم بالله أنهم لو خرجوا فسوف تقوم قوات الأمن بتصفيتهم بالخارج!

(3)

أما فى الليلة الأخيرة فما حدث يضع – ودون مواربة أو ريبة – كل الدماء فى رقبة سدنة الجماعة وكبار قياداتها. فى تلك الليلة الثقيلة صعد كثيرون من القيادات وكلهم أقسموا أنهم لن يبرحوا الاعتصام (دماؤنا قبل دمائكم، وأبناؤنا قبل أبنائكم وحياتنا قبل حياتكم!) ولم ينطق أحدهم بعبارة للمعتصمين عما كان جميع القيادات تعلمه من أن الصباح سيكون الفض. هذه الجماعة مجرمة وقادتها مجرمون حتى لو لم يقترفوا طوال حياتهم غير هذه الجريمة. أصنّف هذا الموقف أنه أكثر المواقف الإنسانية التى عاصرتها خسة ونذالة طوال عمرى. صرختُ أمام الشاشة وسببتهم كثيرا وكنت أتمنى لو أنهم خيبوا ظنونى وتوقعى وتصرفوا مع هؤلاء المغرر بهم بإنسانية. تمنيت لو أن ضمائرهم تستيقظ ولو قبل شروق الشمس ويصرفون الناس قبل أن يهربوا هم أنفسهم. لكننى قطعا كنت أتوهم وأعلم أننى أتوهم، لأن الجماعة كانت قد اتخذت قرارها الذى يتفق كلية مع طبيعتها كجماعة باطنية دموية مارقة خائنة لوطنها وأيضا خائنة للسذج الذين أعتقدوا أنها جماعة وهبت نفسها لله ولنصرة دينه، وتوهموا أن حياتهم قد تساوى شيئا لتلك الجماعة.

فى الصباح هرب من هرب منهم بعد أن خدعوا من صدقهم..ولم يكتفوا بهذه الخسة ويتركوا المعتصمين ليخرجوا من الممرات الآمنة ويتم حقن الدماء..بل أصروا على سفك الدماء، لأن هذه غايتهم. لو لم تحدث فبمَ سيتاجرون إذن بعد ذلك؟! تركوا خلفهم مجموعات من القتلة المحترفين فوق الأسطح المحيطة بالميدان وكانت مهمتهم الوحيدة هى التى وصفها القرآن الكريم بأنها الفساد فى الأرض..الفساد والإفساد فى الأرض هو سفك الدماء دون وجه حق. هو أن تحاول الدولة بكل الطرق ولآخر لحظة أن تحقن الدماء، بينما تصر الجماعة وأيضا بكل الطرق ولآخر لحظة على إجهاض محاولات حقن الدماء!

فى الوقت الذى كانت مكبرات صوت رجال الشرطة تطالب المعتصمين بالخروج الآمن وتحدد لهم المسارات وتفسح لهم الطريق وترجوهم أن يستمعوا لصوت العقل والضمير والدين، تنطلق رصاصات الغدر والخسة. لم تستهدف تلك الرصاصاتُ رجالَ الشرطة، لكنها قنصت بعض المعتصمين لتتأكد من تمام مهمتها القذرة.

(4)

من قاموا بهذا منذ ثلاثة عشر عاما يقومون الآن بمحاولة تزوير التاريخ الذى شاهدناه. يحاولون تغييب عقولنا عن عمد. الآن يتباكون على الدماء والشهداء! ويقومون بمحاولة غسل أيديهم القذرة.. فهذا الدجال الذى يرتدى الزى الأزهرى وهو منه براء..المدعو محمد الصغير يتباكى على الدماء وهو من كان يصعد المنصة ليغرر بالسذج والأتباع ثم هرب!

 الذين هددوا المصريين صراحة بحرق مصر وبالإرهاب، وأن الإرهاب فى سيناء سيتوقف فى اللحظة التى يعود فيها مرسى للحكم – وهو اعتراف صريح – والذين فجروا وحرقوا دور العبادة، والذين حملوا السلاح ضد الدولة وضد المصريين، والذين جاهروا بخيانتهم على الهواء مباشرة من فوق منصة رابعة بالاحتفاء باقتراب أحد الأساطيل الأجنبية من سواحل مصر، والذين كبروا وهللوا لهذا الخبر المذعوم، والذين هددوا المصريين بأن أمريكا مش هتسكت، والذين هددوا المصريين بعشرات الالاف من المليشيات غير المصرية، والذين هددوا بحرق مصر لو لم يتم إعلان فوز مرسى، والقتلة الذين اغتالوا السادات واغتالو فى أسيوط فى نفس اليوم أكثر من ثمانين شهيدا من الشرطة المصرية ثم جلسوا فى ستاد القاهرة يحتفلون بذكرى نصر أكتوبر، والخونة الذين بثوا مؤتمرا على الهواء مباشرة يُظهر مصر كدولة متآمرة فى ذروة أزمة السد الإثيوبى، والذين وافقوا على بيع قطعة من سيناء، والذين لم يروا مشكلة فى اقتطاع مثلث من حدود مصر الجنوبية، والذين جاهروا بعقديتهم أن الوطن حفنة من تراب عفن، كل هؤلا تتم الآن محاولة تقديمهم للمصريين على أنهم مجاهدون وأولياء الله الصالحون وحافظو القرآن والمدافعون عن الإسلام وأنهم كانوا دائما معارضين سلميين! لا مجال هنا لعبارة أين حمرة الخجل، فالموقف أخطر من هذا العتاب المهذب، بل أقول إن الشيطان ذاته يمكنه أن يشعر بالخجل المهنى وبتواضع إبداعه وأفكاره فى صناعة الشر أمام ما فعلتم وما تحاولون فعله اليوم!

(5)

بعض الذين ابتلاهم الله فى مصر بمرض التأسلم السياسى اللا إرادى - والذى كان انتشاره نتيجة لعوامل متعددة فى العقود السابقة – يفاجئونك بسؤالٍ من المستوى الرفيع من العبث..(طيب ما كانت الدولة تسيبهم وخلاص! أهو ناس قاعدين كانوا قعدوا شهر شهرين وهيزهقوا ويروحوا!)

هذا السؤال قد يفقدك صوابك إن كنتَ ممن عاصروا الأحداث. يمكن أن نرد السؤال بسؤال.. هل هناك دولة فى العالم المحترم ولا مؤاخذة الديمقراطى المتقدم يمكنها أن تسمح بساعة اعتصام واحدة على غرار ومنوال اعتصامات الإخوان فى رابعة والنهضة، اعتصام يستولى فيه المعتصمون على منطقة سكنية ويسيطرون على مداخل العمارات السكنية ويفتشون السكان ويطلبون البطاقات الشخصية، ويكسرون الأرصفة ويقومون بعمل متاريس عسكرية بأجولة الرمال والطوب، ويقوم الرجال بقضاء حاجتهم فى حدائق العمارات، ويتم عمل خيم ومنصات بميكروفونات تسب وتشتم وتتهم السكان ذاتهم بالكفر، ويحمل بعض معتصميه أسلحة؟ هل هناك دولة تسمح بذلك؟ قطعا لا لأن السماح بذلك يعنى لا وجود لدولة. والدولة هنا بمعنى المؤسسات.

لماذا حدث ذلك فى التحرير ولم يتم فضه؟ ما حدث فى التحرير كان يسبق تنحى مبارك. وانتهى بتنحى مبارك. وقفت القوات المسلحة مع خيار المصريين فى الحالتين. فى الحالة الأولى طلبت من مبارك - ولو بشكل يخاطب فيه الإحساس بالمسؤلية الوطنية - التنحى ففعل ذلك. التظاهرات التى يمكن وضعها فى مقابلة تظاهرات التحرير هى مظاهرات المصريين ضد مرسى تماما كما حدثت ضد مبارك. فى الحالة الثانية طلبت القوات المسلحة من مرسى التنحى - تنفيذ لإرادة المصريين - فرفض. ولم يكتف بالرفض بل هدد بحرق مصر وأن خروجه دونه الدم! إذن فاعتصامات الجماعة لم تكن مظاهرات الشعب المصرى ضد وجود رئيس، إنما كانت اعتصام أنصار جماعة وكان اعتصاما مسلحا. فمثلا لو فعل أنصار مبارك ما فعلته الجماعة وقرروا الاعتصام المسلح والاستيلاء على منطقة سكنية، لو حدث هذا لكانت الدولة قد تعاملت معهم بالمثل.

أعود للسؤال العبثى..هل كانت الجماعة ستقتنع بعد شهر أو شهرين بالانصراف؟ من يقول ذلك إما مراوغ أو ساذج. الشخصية الدبلوماسية الغربية الرفيعة التى كانت تقوم بتلقين الشاطر وبقية أفراد العصابة الأوامر كان حديثها واضحا.. تمسكوا بهذه القطعة من الأرض وسوف نقف معكم ونطالب بتدويل القضية. كانت هناك واقعة محددة فى دولة عربية صغيرة اعتصامان متضادان أطلق على أحدهما معسكر الموالاة والآخر معسكر المعارضة. كان هذا هو الهدف فى مصر. كانت الجماعة هى رأس حربة تمزيق مصر. ولم يكن مطروحا أن تفض الجماعة اعتصامها من تلقاء نفسها. لو تُركوا لتحولت رابعة إلى منطقة دولية تحظى بتدخل دولى صريح قابلة للتمدد بالقوة الدولية، ولكان هناك مقرا تمارس من خلاله مخططات تقسيم مصر ومقرا موازيا لحكومة موازية. ولأصبحت نقطة تسلح صريحة ولربما أقيمت أسوار فعلية بحماية دولية. فتِّشوا عن هذه الشخصية الغربية الرفيعة ودورها فى الاعتصام وفتشوا عما قام به وزير خارجية دولة غربية عظمى. لقد راهنت الجماعة أن الدولة المصرية سوف تعجز عن اتخاذ القرار لهذه الأسباب. ولما استفاقت من غيبوبتها وكان القرار المصرى قد اتخذ بالفعل، فعّلت الجماعة الخطة (ب) وهى الرجوع لسوفت وير الدم بعد أن أجهضت مصر سوفت وير الخيانة على أرضها.

(6)

قرار فض الاعتصام - مع هذه المفردات والظروف المحيطة وما كانت تقوم به الجماعة على الأرض ومن الناحية القانونية المحلية والدولية – هو قرار شرعى وصائب تماما. فقوانين مصر لا تسمح باستيلاء أحد على منطقة سكنية أو حمل السلاح أو منع مواطنين من ممارسة حياتهم بشكل طبيعى. ومن ناحية القوانين الدولية فمصر لديها وثائق وأدلة تقطع بأنه كان اعتصاما مسلحا إرهابيا حتى لو لم يكن كل المعتصمين مسلحين. وشاهدنا محاولات القوات إقناع المعتصمين بالانصراف السلمى عبر الممرات الآمنة. ولا توجد قوات أمنية قديما ولا حديثا ولا فى أى دولة تتلقى طلقات الرصاص ثم يُطلب منها عدم الرد وهى تتعامل مع جماعة إرهابية. السذج والعوام الذين غررت بهم الجماعة من محافظات وأقاليم مصر ريفها وحضرها على ذويهم أن يحاسبوا من غرر بهم وهرب من قيادات الجماعة أو نجوم التطرف الذين كانوا يصعدون المنصة كل مساء ويلقون الخطب العصماء ثم كانوا أول من هرب.

كل إنسان عاقل بالغ مسؤل عن مواقفه واختياراته. فمن قرر أن ينضم لمجموعة إرهابية، وأن يمارس البلطجة بالاستيلاء عنوة على مرافق وممتلكات خاصة وعامة، ثم يهدر الفرص بالانصراف إلى منزله آمنا، عليه أن يتحمل عواقب اختياره، والموت - مع احترام قداسته ورهبته – لا يمكن أن يكون سببا كافيا لقلب الحقائق وتقديم أصحاب هذا الاختيار وكأنهم ضحايا مؤسسات دولة تطبق القانون.

(7)

بعض مرضى التأسلم السياسى فى مصر يعانى بالقطع – كإحدى مظاهر هذا المرض – من الشيزوفرينيا المعروفة بالاعتقاد أن القوانين الحالية لا حرمة لها ولا اعتبار لها عند الله، وأن الفيصل هو – بمنطقهم وحسب معتقدهم – القوانين الإسلامية فقها أو اجتهادا أو حتى تاريخا. حسنا فحتى هذا الطريق يقود حتما إلى نفس النتيجة أن قرار أولى الأمر بفض اعتصامٍ يقوم على قطع الطريق واغتصاب حقوق آخرين وحمل السلاح بغية الخروج على أولى الأمر خروجا مسلحا هو قرار شرعى تماما. ولدينا فيما يسمى بالتاريخ الإسلامى وقائع كثيرة جدا، لكن أقواها هو اعتصام النهروان. بعض الخوارج الذين خرجوا على على بن أبى طالب - بعد أن استجاب لرأيهم بقبول التحكيم فى صراعه مع معاوية بن أبى سفيان – طالبوه بمواصلة الحرب رغم سابق ضغطهم عليه لقبول التحكيم. قبِل وقرر الخروج لاستكمال مواجهة معاوية بن أبى سفيان، فخرجوا عليه مرة أخرى واعصتموا ذلك الاعتصام الشهير فى النهروان، ثم بدأوا فى الفساد فى الأرض باستيقاف العامة وسؤالهم عن رأيهم فى حكم فلان أو فلان، وقتلوا الصحابى خباب بن الأرت وزوجته الحامل. فقرر على بن أبى طالب أن يخرج إليهم..حاول إقناعهم بالانصراف فانصرف بعضهم فعلا، وقاتل من أصر على البقاء وقضى عليهم بصفته الحاكم. كل الجماعات التى خرجت على الدول المختلفة واجهتها حكومات هذه الدول بالسلاح. فالإسلام لا يبيح الانقسام والتناحر السياسى على الحكم ولا يبيح الخروج المسلح على الحاكم. يبيح المعارضة السياسية عبر القنوات المشروعة لكنه لا يبيح الخروج المسلح. والأهم من ذلك كله أن الإسلام يجعل نقض العهد والعقد إثما كبيرا، والعهد والعقد بين أى إنسان يحمل بطاقة هوية مصرية وبين الدولة هو القانون والدستور. وطبقا لهما فأى مصرى مأمور إسلاميا بعدم الخروج عليهما، وبأداء كل الواجبات المنصوص عليها بهما. والاحتجاج بالثورة مردود عليه بأن غالبية المصريين قد ارتضوا الخطوات الكبرى من تنحى مبارك ثم انتخاب الجماعة ثم الخروج عليها كما خرجوا على مبارك. وبذلك تنتهى شرعية الثورة وتحل بدلا منها شرعية القانون والدستور بمجرد عزل مرسى تنفيذ لرغبة غالبية المصريين.

(8)

بالقطع فمن المستهلَك والمكرر جدا أن أشير إلى وله الجماعة بالكذب، فكل الكرة الأرضية الآن تعرف هذا. الكذب هو من أسس شخصية الجماعة وسماتها الرئيسية. الكذبة الكبرى التى تحاول الجماعة ترويجها فى مشهد اليوم، هو كذبة (شرعية مرسى بصفته أول رئيس مدنى منتخب.) مرسى لم يكن أول رئيس مدنى منتخب فى مصر. فوصف الرئيس بالمدنى أو غير ذلك لا ينبع طبقا لعلوم السياسية من وظيفة أو مهنة الرئيس السابقة لانتخابه، وإنما من طبيعة القوانين السائدة حين تم انتخابه وأثناء حكمه. فالرئيس العسكرى هو فقط الذى يحكم حين تكون القوانين عسكرية وحين يتعطل العمل بالدستور والقانون الطبيعى وحين يتحاكم المواطنين أمام محاكم عسكرية بدلا من المحاكم الطبيعية. وهذا لم يحدث لا فى عهد مبارك ولا عهد السيسى ولا عام حكم الجماعة. فمرسى كان – فى طريقة انتخابه – مثل سابقه. هذه أول جزئية فى الكذبة. أما الجزئية الثانية الأهم فهى أنهم يحملون فوق أعناقهم القميص المزعوم للشرعية المغتصبة قاصدين بذلك بيان وزير الدفاع والقوى السياسية بعزل مرسى. لو كان لمرسى شرعية مغتصبة فأيضا لمبارك نفس الشرعية المغتصبة لأنه طُلب منه التنحى وقام الرجل بهذا احتراما لأشياء كثيرة أولها لنفسه وما بقى من سنوات عمره، لأنه إن لم يفعل وأصر المصريون على موقفهم، لكان هناك بيان عزل مثل بيان عزل مرسى، لأن القوات المسلحة تقوم بتنفيذ الدستور فى مساندة الشعب المصرى. ولقد اتفقنا جميعا واتفقت معنا الجماعة فى البداية – أى أحداث يناير - أن هناك شرعية ثورية لحين استقرار المصريين على رؤية معينة أو انتخاب شخصية يتوافقون عليها. كذبة الإخوان أنهم إن حدثتهم عن تنحى مبارك يرون أن هذا منطقى وطبيعى حتى لو تم عزله لأن هناك ثورة، ثم حين تحدثهم عن ثورة يونيو وخروج أضعاف مضاعفة من المصريين، إذا بهم ينكرون فكرة الشرعية الثورية التى أوصلتهم  للحكم! هذه المراوغة طبيعة فى هذه الجماعة! يحاولون إقناعك أن ما شاركت فيه بنفسك وشاهدته بعينيك لم يحدث! وإنما الذى حدث هو ثورة فوتوشوب قام بها خالد يوسف!

(9)

الشىء الوحيد الإيجابى فى هذه الحملة المسعورة التى تشنها هذه الأيام منصات الجماعة هو أنها نشطت ذاكرة المصريين وقررت - بغباءٍ معروف عن عقول قياداتها – تفعيل مشاعر غضب المصريين تجاهها بعد أن كان قد هدأ قليلا عن بعض هؤلاء المصريين. كتبتُ كثيرا سابقا إن أخطر ما يُخشى على العقل المصرى الجمعى هو النسيان. أن ينسى المصريون ما عاصروه، وفى طى هذا النسيان يمكن أن تتسلل الجماعة – أفكارا وأشخاصا - مرة أخرى بنعومة الأفاعى. لكن هذا العام تحديدا أهدانا غباء عقل الجماعة هدية كبرى بأن ذكرنا بجرائمها من حيث لا يحتسب!

يُلقى الغرور أحيانا بضبابٍ على العقل فيسبب هذه الحالة من الغباء التى نراها متجسدة فى عقل الجماعة الإعلامى، فلا يعقل أبسط قواعد المنطق. فمثلا - وطبقا لهذا الغباء الإخوانى - اعتقد القائمون على منصات الجماعة أنه يكفى أن تقوم أذرع الجماعة الإعلامية بعمل سيشنات تصوير سينمائية أو تفعيل أحدث برامج إيديتنج التصوير واستخدام الذكاء الاصطناعى لكى تنسف من ذاكرة المصريين التاريخ الشخصى الحقيقى الأسود لسين أو صاد من سدنة الجماعة وأن تخلق لهم تاريخا مكذوبا جديدا!

قدمت الجماعة هذا العام خدمة وطنية جليلة لمصر دون أن تقصد طبعا! وهى أنها عملت كآلة إعلامية ضد نفسها. ومن لا يصدق فليقرأ أو يتابع طبيعة التفاعل المصرى مع آلاف الصفحات والبوستات والمقالات والصور التى تترى على صفحات السوشيال ميديا منذ بداية الشهر. تستهوينى وأحيانا تبهرنى كثيرا هذه الطريقة من قرائة رد الفعل. أقوم بحصر عشوائى لعدد من البوستات فى وقت محدد وأحصر عدد التفاعلات وتقسيمها بين الإعجاب والغضب والسخرية. ثم أقرأ تعليقات عشوائية على نفس البوستات. الحسابات الوهمية يمكن معرفتها بسهولة. والحسابات الحقيقية تنطق به العبارات واللغة. ما استطعت حصره فى يومين أن غالبية المصريين الذين تفاعلوا كانوا يسخرون مما تبثه صفحات الإخوان من صور وبوستات تتسول فيها التعاطف معها بعد تقمص دور الضحية. أما التعليقات والردود فهى الأهم. كانت فى غالبيتها استحضارا للأرشيف. لذلك أقول تقوم الجماعة هذه الأيام بواحدة من أغبى حملاتها الدعائية وتصر على تذكير المصريين بخيانتها للكل، للوطن والدين وأيضا للسذج الذين صدقوا أباطيلها فدفعوا ثمنا باهظا لذلك!      

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق