كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن الحرب الأخيرة في المنطقة قد أحدثت هزة عميقة في مستوى ثقة دول الخليج العربي حيال استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة كضامن رئيسي وأوحد لأمنها الإقليمي.
وأشارت الصحيفة إلى أنه على الرغم من حالة الارتياح المؤقتة التي سادت في أعقاب التوصل إلى اتفاق أولي بين واشنطن وطهران، إلا أن التساؤلات والشكوك الخليجية بشأن جدوى وعمق الحماية الأمريكية باتت تتصاعد بشكل غير مسبوق.
ثغرات المظلة الأمنية واستهداف المنشآت الحيوية
وفي تقرير تحليلي أعده الصحفي "آدم راسغون"، أوضحت الصحيفة أن هذه الشكوك تعززت بشكل ملموس خلال جولة النزاع الأخيرة التي استمرت نحو أربعة أشهر؛ حيث أخفقت المنظومات الدفاعية والمظلة الأمنية الأمريكية في توفير الحماية الكاملة لبعض المدن والمنشآت الاقتصادية الحيوية في المنطقة. وجاء ذلك في وقت شنت فيه إيران وحلفاؤها هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة استهدفت العمق الإقليمي لعدد من حلفاء واشنطن البارزين، مثل البحرين وقطر والإمارات، مما أسفر عن خسائر اقتصادية وأضرار متفاوتة في قطاعات عسكرية مختلفة.
ونقلت الصحيفة عن "سنام وكيل"، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في معهد "تشاتام هاوس" البريطاني، تأكيدها أن الضمانات الأمنية التي تقدمها واشنطن لم تعد تحظى اليوم بذات الزخم أو الثقة التي كانت تتمتع بها في العقود السابقة. ولفتت إلى أن نجاح عدد من الطائرات المسيرة الإيرانية في اختراق وتجاوز أنظمة الدفاع الأمريكية المتطورة، إلى جانب عدم جاهزية واشنطن بالشكل الكافي للتعامل الفوري مع سيناريو إغلاق مضيق هرمز، قد دفع العواصم الخليجية للتعويل على الاتفاق الأولي الراهن كطوق نجاة مؤقت لإعادة تصدير النفط والغاز بعيداً عن التهديدات العسكرية المباشرة.
تسريع سياسة تنويع الشراكات وبدائل التحالف الدولي
وأشار التقرير إلى أن مؤشرات التراجع في الرغبة الأمريكية للانخراط المباشر في أزمات الشرق الأوسط بدأت تلوح في الأفق حتى قبيل اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير الماضي؛ حيث ساد انطباع بأن واشنطن أصبحت غارقة في ترتيب ملفاتها السياسية الداخلية. هذا الانطباع دفع دولاً محورية مثل السعودية والإمارات والكويت إلى استباق الأحداث وتوسيع أطر تعاونها الأمني والعسكري مع شركاء دوليين آخرين في قارتي أوروبا وآسيا.
ورجحت "نيويورك تايمز" أن تدفع نتائج هذه الحرب نحو تسريع وتيرة سياسة تنويع الشراكات؛ حيث نقلت عن مسؤولين خليجيين -اشترطا عدم كشف هويتيهما- أن حكومات المنطقة ناقشت بالفعل وبشكل جدي خيارات تقليص الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة. وأوضح المسؤولان أن التوجه الراهن لا يهدف إلى الصدام مع واشنطن، بل يركز على بناء شراكات جديدة مع دول تحظى بقبول أمريكي، مع الإقرار بأن الوجود العسكري الأمريكي الضخم والواسع في القواعد الخليجية، والذي يضم آلاف الجنود، يظل عائقاً أمام إحداث تحول جذري أو كلي في التوجهات الدفاعية للمنطقة في الوقت الحالي.
الدعوة إلى الاكتفاء الذاتي العسكري وتكامل الجهود المشتركة
واختتمت الصحيفة تقريرها باستعراض الرؤى الأكاديمية الخليجية تجاه الأزمة؛ حيث نقلت عن الدكتور بدر السيف، الأستاذ المساعد في التاريخ بجامعة الكويت، قوله إن دول مجلس التعاون الخليجي باتت مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتحمل دور أكبر ومباشر في حماية أمنها القومي عبر تطوير قدراتها الذاتية وضخ استثمارات أوسع في تقنيات الدفاع الحديثة.
وأشار السيف إلى التجربة الإيرانية التي تمكنت من بناء وتطوير بنية تحتية عسكرية وتصنيعية متطورة رغم الحصار والعقوبات المشددة المفروضة عليها، معتبراً أن المنظومة الخليجية تمتلك كافة الإمكانات المالية والخبرات البشرية المؤهلة لتحقيق خطوات مماثلة. وشدد على أن تلافي الثغرات المستقبلية يستوجب حتماً تجاوز الخلافات البينية، وتعزيز مستويات التنسيق المشترك، وتوحيد صفقات التسليح، بما يضمن صياغة إستراتيجية دفاعية موحدة ومستقلة تحقق المصلحة الأمنية العليا لكافة دول المنطقة.


















0 تعليق