مصر في معرض الكتاب الفرنسي.. هل تكفي الحضارة القديمة لبيع الأدب الجديد؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في مساء هادئ من عام 1988، وصل اسم نجيب محفوظ إلى ستوكهولم قبل أن يصل جسده، فقد بقي صاحب الحرافيش والثلاثية في القاهرة، بينما عبرت رواياته إلى العالم حاملة حارة مصرية كاملة، بأصواتها وبيوتها ومقاهيها وخوفها وأحلامها.

يومها لم تكن جائزة نوبل احتفالا بكاتب كبير فقط، بل اعترافا بأن الأدب المصري قادر على تقديم الإنسان في صورته الأصدق، من قلب القاهرة لا من واجهات التاريخ وحدها.

هذه الذكرى تحضر بقوة مع اختيار مصر ضيف شرف معرض الكتاب الفرنسي 2027، فالحضور المصري في حدث ثقافي أوروبي كبير يمثل فرصة لتقديم صورة أوسع عن بلد يملك تاريخا عظيما وحاضرا إبداعيا متجددا، من المعابد والنقوش والبرديات إلى الرواية والمسرح والشعر والسينما والموسيقى والفن التشكيلي.

فرنسا تعرف مصر القديمة جيدا، تعرف الأهرامات والكرنك وأبو الهول وتوت عنخ آمون، وتعرف أيضا أسماء كبرى مثل نجيب محفوظ وطه حسين وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس.

لكن جمال المناسبة أن تفتح الباب أمام القارئ الفرنسي للتعرف إلى مصر التي تكتب الآن، مصر الرواية الجديدة والقصيدة الجديدة وكتب الأطفال والترجمة والفكر الاجتماعي، مصر التي لا تستعيد الحكاية فقط، بل تصنع حكايات جديدة كل يوم.

الأدب المصري الحديث يملك ما يقوله للعالم، فقد حول نجيب محفوظ الحارة إلى كون إنساني واسع، ولم تكن الثلاثية مجرد حكاية عائلة، بل سيرة مجتمع كامل يتغير بين السياسة والعائلة والدين والحب والسلطة.

وقدم يوسف إدريس الإنسان المصري البسيط في ضعفه وقوته، وذهب صنع الله إبراهيم إلى قراءة أكثر حدة لعلاقة الفرد بالزمن والسلطة والاستهلاك، بينما قدمت أعمال مثل عمارة يعقوبيان لعلاء الأسواني صورة روائية عن تحولات المدينة والطبقة والسلطة.

وفي السنوات الأخيرة ظهرت تجارب متعددة تستحق الحضور في الخارج، هناك كتاب يكتبون عن القاهرة الجديدة والكومباوندات والعزلة الحديثة، وكتاب يذهبون إلى الصعيد والهامش والقرى البعيدة، وكاتبات يقدمن عوالم النساء والذاكرة والأسرة بوعي مختلف، إلى جانب روايات شبابية أقرب إلى إيقاع السينما والسوشيال ميديا والمدينة السريعة، يعني ببساطة «عندنا حكايات كتير»، وأصوات قادرة على أن تقول للعالم إن مصر ليست صفحة قديمة في كتاب التاريخ، بل فصل جديد يكتب كل يوم.

معرض الكتاب الفرنسي يمكن أن يكون مساحة مثالية لهذا التنوع، ليس فقط عبر جناح جميل أو فعاليات احتفالية، بل عبر برنامج يضم قراءات أدبية وندوات ترجمة ولقاءات بين الناشرين المصريين والفرنسيين، وعروضا لكتب الأطفال والرواية المعاصرة والكتب الفكرية، مع تقديم أعمال مترجمة أو جاهزة للترجمة، فالقارئ الأوروبي يحتاج إلى جسر واضح، وهذا الجسر هو المترجم والناشر والوكيل الأدبي والناقد، لا الكتاب وحده.

القوة الناعمة المصرية لا تبدأ من الماضي وحده ولا تنفصل عنه، بل تستند إليه ثم تتحرك إلى الأمام، فالحضارة القديمة تمنح مصر حضورا فوريا في الخيال العالمي، والأدب الجديد يمنح هذا الحضور حياة وصوتا معاصرا، والهرم يفتح الباب، لكن الرواية تجعل القارئ يجلس طويلا، والتمثال يدهش العين، لكن الحكاية تلمس القلب.

القاهرة وحدها تصلح لأن تكون بطلة عشرات الروايات، مدينة تجمع المترو والكباري والمقاهي القديمة والمولات والجامعات الخاصة والبيوت الضيقة والشوارع الواسعة والمناطق الشعبية والمدن الجديدة.

 والإسكندرية ليست مجرد بحر وحنين، بل مدينة تتغير وتعيد تعريف نفسها، والصعيد ليس خلفية تراثية، بل عالم غني بالكرامة والعائلة والهجرة والتعليم والصراع، وسيناء والنوبة والواحات ومدن القناة كلها خرائط إنسانية وجمالية تصلح لأن تقدم للقارئ الفرنسي وجوها متعددة من مصر.

ومن المهم أن يمتد هذا الحضور إلى أدب الطفل أيضا، لأن الطفل الفرنسي حين يقرأ حكاية مصرية مصورة عن النوبة أو شلاتين أو القاهرة القديمة أو واحة بعيدة، فهو يتعرف إلى مصر بطريقة مختلفة عن الصورة السياحية المعتادة، أدب الطفل جزء أساسي من صناعة الخيال الثقافي، وربما يكون أحيانا أسرع في الوصول إلى البيوت من الروايات الكبيرة والكتب الفكرية.

كما أن السينما والمسرح والموسيقى يمكن أن تكون رافدا لهذا الحضور، فالأدب المصري لم يكن يوما منفصلا عن الفن. كثير من الروايات تحولت إلى أفلام، وكثير من الأغاني خرجت من شعر، وكثير من المسرح المصري حمل لغة الشارع وروح الناس، لذلك يمكن لمشاركة مصر في معرض كتاب فرنسي أن تقدم الثقافة المصرية كنسيج واحد، الكتاب في القلب، وحوله الصورة والموسيقى والذاكرة والفن.

هذه المناسبة تمنح الناشرين المصريين فرصة مهمة أيضا، فالكتاب لم يعد يتحرك في العالم بالموهبة فقط، بل يحتاج إلى صناعة كاملة: حقوق ترجمة، ملخصات احترافية، كتالوجات، لقاءات مهنية، عقود نشر، ومتابعة بعد نهاية المعرض، لأن الكتاب الجميل يحتاج إلى من يمسك بيده حتى يصل إلى قارئ جديد في لغة أخرى.

الأجمل أن يكون حضور مصر في معرض الكتاب الفرنسي 2027 احتفالا بالحضارة وبالأدب معا، فلا يتم التعامل مع الماضي كبديل للحاضر، ولا مع الحاضر كقطيعة مع الماضي، بل كامتداد طبيعي له.

مصر التي كتبت على الحجر قادرة على أن تكتب اليوم على الورق والشاشة، ومصر التي حفظت للعالم ملامح واحدة من أعظم الحضارات قادرة أيضا على أن تمنحه رواية جديدة وقصيدة جديدة وكتابا جديدا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق