أثناء سيرى فى الطريق أوقفنى رجل قوى البنية، يرتدى ملابس موحدة اللون، أشار بيده إلى لافتة تعلو إحدى البنايات وقال: انظر فيها.
تعجبت ربما هو أمّى يجهل القراءة والكتابة، ويطلب مساعدتى، فأجبته: هذه لافتة تخص طبيبًا، هل هو من تبحث عنه؟
لا دقق النظر جيدًا، هذه لوحة استرشادية لعربة قطار مكتوب فيها «الساعة الآن التاسعة مساء سيتم التحرك، ولأن الوقت ليلًا ستضاء الأنوار الداخلية».
ثم عقب: أهنئك على اختيارك السفر بقطار برلمان، الأسرع فى قطارات المجموعة المتحدة للنقل.
انحنت باتجاهنا رقبة رجل يفترش التراب وجسده موجه للأمام كأنه بمقعد خلفى لحافلة، قاطعه قائلًا: أوه أنت لا تقول الصدق، هناك رآنى، وصقر أفضل من مجموعاتكم.
تركتهما الاثنين وانصرفت إلى المقهى المقابل وأنا فى قمة التعجب من حديثهما.
سحبت كرسيًا، جلست عليه وطلبت من النادل شايًا، فرد وهو يدق بعصا صغيرة على سخان ماء ساخن يحمله فوق ذراعه: حاجة ساقعة، بسكويت، شاى.. بعشرة جنيه.. ثم وضع كوب الشاى أمامى على المنضدة بعد أن ملأه من السخان.
تعجبت أكثر.. مكان إعداد المشروبات أمامى عند آخر حائط للمقهى.. لماذا يحمل سخان الماء الساخن فوق ذراعه؟
على مقربة منى عدة مقاعد متراصة يجلس عليها كهل وشاب.
الكهل: لماذا تتعس نفسك بحمل الهَمّ.. محطة بنها المقبلة، وعندما نصل أعاهدك أنى سأحل لك كل ما ينغص عليك راحة بالك.
الشاب: عشت ضعيفًا مقهورًا بالفقر والجوع والمرض ونظرات الناس بالسوء. فأدركت أنى مهزوم مهزوم، فأنا مجرد إنسان ولا حياة لى.
انطلقت بخطى سريعة: وأنا أردد بينى وبين نفسى أكيد فى خطأ.
أحسست بدوخة بسيطة، دخلت صيدلية وطلبت بعض الدواء.
الصيدلى: لا تقلق الدوخة ولو معها قىء سببها سرعة القطار الزائدة ثم دفع لى بيده قرصين، فرفضت قبولهما منه وأنا مندهش من كلامه.
وخرجت على عجل فاصطدمت قدماى بسيدة تجلس مع ابنها على الرصيف، سألتنى: محطة بنها المقبلة أم قليوب؟
آه أكاد أجن، حتى أنتِ، نحن فى شارع وليس قطارًا.
عند كشك السجائر أخرج البائع رأسه من شرفته بعينيه الجاحظتين، وقفت أمامه، قلت لنفسى: ربما هو من سيوضح لى سوء الفهم.
دفعت له خمسين جنيهًا، وطلبت علبة سجائر، أعطانى المطلوب من دون الباقى، سألته عنه، طوى ورقة صغيرة فى يدى وقال: الباقى ثمن تذكرتك التى نسيت شراءها قبل استقلالك القطار.


















0 تعليق