- «البيروفسكايت» ثورة مقبلة ستنهى احتكار السيليكون فى سوق الطاقة الشمسية
- تطوير أو إصلاح الجهاز الإدارى للدولة عملية متكاملة
- الاستثمار فى البحث العلمى مفتاح توطين التقنيات الحديثة بمصر
قال الدكتور محمود الدماصى، الباحث ما بعد الدكتوراه بمعهد هيلمهولتز برلين للطاقة والمواد بألمانيا خريج كلية العلوم بجامعة الزقازيق، إن تكنولوجيا «البيروفسكايت» تمثل أحد أكثر المسارات الواعدة فى تطوير الخلايا الشمسية خلال السنوات المقبلة، لما تتمتع به من كفاءة مرتفعة وتكلفة إنتاج منخفضة وإمكانية كبيرة للتصنيع والتوطين. وأضاف «الدماصى»، فى حواره مع «الدستور»، أن مصر تمتلك مقومات استثنائية تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا وعالميًا للطاقة المتجددة بفضل وفرة الإشعاع الشمسى وموقعها الجغرافى المتميز.
■ ما الذى جذبك إلى مجال الخلايا الشمسية والتخصص فى تقنيات «البيروفسكايت» تحديدًا؟
- كنت أعمل فى مجال البترول كيميائيًا وباحثًا فى معهد بحوث البترول لسنوات، ولفت نظرى أن مصر من الدول الفقيرة فى احتياطيات وإنتاج الغاز والبترول، والغنية جدًا بالطاقة الشمسية. كما لفت نظرى أيضًا ما تسببه صناعة البترول من تلوث للصحراء البكر وخزانات المياه الجوفية تحت الأرض، لذلك قررت التوجه إلى الخلايا الشمسية فى دراسات الدكتوراه.
أما تكنولوجيا «البيروفسكايت» نفسها فأعجبت بها جدًا؛ لأنها من المواد الجديدة التى يمكن تغيير تركيبها بسهولة لتناسب الأنواع المختلفة من الخلايا الشمسية والتطبيقات الكهروضوئية. كما أنها رخيصة نسبيًا وسهلة التصنيع وغير معقدة، وبالتالى يمكن بسهولة نقل تلك التكنولوجيا إلى مصر.
■ لماذا ينظر العلماء إلى «البيروفسكايت» باعتبارها ثورة محتملة فى عالم الطاقة الشمسية؟
-الخلايا التقليدية مصنوعة من السيليكون وكفاءتها تتراوح بين ٢٣٪ و٢٤٪ للخلايا التجارية المتاحة فى السوق، وتصنيعها صعب ويحتاج إلى تكنولوجيا معقدة لتنقية السيليكون وبلورته تحت درجات حرارة مرتفعة، ما يرفع تكلفة إنتاجها نسبيًا. ويتركز إنتاج تلك الخلايا فى الصين بنسبة ٨٤٪، ما يصعّب المنافسة بشكل كبير.
على الناحية الأخرى تمثل «البيروفسكايت» نموذجًا متطورًا لمواد سهلة التركيب البلورى وقابلة للتغيير بشكل سهل، وتُصنع عند درجة حرارة الغرفة ومتاحة تجاريًا بشكل رخيص نسبيًا، وطريقة تصنيعها وطباعتها سهلة نسبيًا، ويسهل نقلها وتوطينها فى مصر والدول النامية، والأهم أن كفاءتها الآن تخطت ٢٧٪، وهو ما يجعلها تقف على قدم المساواة فى هذه النقطة مع السيليكون.
■ هل يمكن أن تصبح خلايا «البيروفسكايت» بديلًا حقيقيًا للسيليكون فى المستقبل؟
- حتى الآن، تتفوق «البيروفسكايت» فى الكفاءة بشكل طفيف على السيليكون، لكنها لا تزال أقل فى العمر الافتراضى؛ ففى الوقت الذى تعيش فيه خلايا السيليكون حتى ٣٠ عامًا، لا تعيش خلايا «البيروفسكايت» أكثر من ١٢ عامًا.
لكن إذا وضعنا فرق السعر وتكلفة الإنتاج المنخفضة فى الحسبان، نستطيع القول إنه إذا عاشت خلايا «البيروفسكايت» لأكثر من ١٥ عامًا فقد تكون بديلًا ومنافسًا قويًا للسيليكون.
■ هل شعرت بأن مشروعك البحثى قد يُحقق تأثيرًا عالميًا؟
- دائمًا ما كنت أشعر أن ما أفعله قد يكون له أثر كبير؛ لأن تكنولوجيا «البيروفسكايت» جديدة والعالم فى حاجة إليها، لذلك تتبناها الكثير من الشركات والدول. وكم أتمنى أن تهتم مصر بهذا المجال وتؤسس معهدًا بحثيًا لتطويره محليًا.
■ صدر لك مؤخرًا بحث علمى جديد.. ما الفكرة الأساسية للدراسة؟
- الموضوع ببساطة هو دراسة تفصيلية لديناميكيات حركة الشحنات داخل الخلايا الشمسية؛ فباستخدام تقنيات جديدة، بعضها يُستخدم لأول مرة فى هذا المجال، استطعنا تتبع حركة الشحنات الموجبة والسالبة داخل الخلايا الشمسية، وبالتالى فهم طبيعة تلك الحركة ومحدداتها، ومن ثم نستطيع البناء على ذلك لتطوير بنية الخلايا الشمسية بما يحسن من كفاءتها.
والجديد فى تلك الدراسة هو استخدام تقنيات جديدة لأول مرة فى القياس، ما يؤكد دقة النتائج وكذلك تقديم صورة شاملة عما يحدث داخل طبقات الخلايا الشمسية، وهو ما يوفر فهمًا شاملًا لطبيعة انتقال وحركة الشحنات بالداخل، وهو ما لم يكن متوافرًا من قبل.
وهذا ينعكس بشكل مباشر على كفاءة واستقرار الخلايا الشمسية؛ فلو نجحنا فى توحيد حركة الشحنات داخل الخلايا الشمسية واستخلاص أكبر قدر ممكن منها، سيزيد ذلك من شدة التيار الناتج من الخلية، وبالتالى ترتفع كفاءتها.
■ ما أبرز التطبيقات العملية المحتملة لنتائج هذا البحث؟
- التطبيق هو تحسين كفاءة خلايا «البيروفسكايت» الشمسية، وخلال سنوات قليلة سنرى هذا النوع من الخلايا متاحًا فى السوق بشكل تجارى، حيث بدأت العديد من الشركات الإعلان عن أول منتجاتها من هذا النوع من الخلايا الشمسية المتطورة والرخيصة.
■ كيف يتحول البحث الأكاديمى من ورقة علمية إلى منتج أو تقنية قابلة للتطبيق؟
- هذا الأمر يحدث تدريجيًا، ففى البداية يتم تصنيف مستوى التكنولوجيا بناءً على جاهزيتها للسوق على مقياس من ٧ درجات، وكلما كانت التكنولوجيا أقرب لمعايير السوق ارتفع تصنيفها على مقياس الجاهزية التجارية.
وتعمل الجامعات على تطوير الأفكار فى الدرجات الثلاث الأولى، وهو ما يعرف بالعلوم الأساسية. بينما المعاهد البحثية فى ألمانيا، مثل ماكس بلانك وهيلمهولتز وغيرهما، فتعمل فى المستوى المتوسط من ٣ إلى ٦، ثم يأتى دور الشركات والمعاهد التابعة لها، والتى تعمل فى المستوى من ٥ إلى ٧، وهو تحويل التكنولوجيا إلى منتج تجارى جاهز.
■ كيف ترى مستقبل الطاقة الشمسية فى مصر والمنطقة العربية؟
- وسائل إنتاج الطاقة الجديدة والمتجددة، وفى القلب منها الخلايا الشمسية، هى مستقبل إنتاج الطاقة فى مصر والمنطقة العربية، فليس لدينا مصدر للطاقة أكثر توافرًا ولا استدامة من الشمس، وبالتالى يجب على مصر والدول العربية تبنى تكنولوجيا الخلايا الشمسية وتطويرها وإنتاجها محليًا.
كما يمكن تصدير الطاقة الشمسية فى صورة كهرباء إلى الدول والمناطق المجاورة، وعلى رأسها أوروبا، أو تحويلها إلى هيدروجين أخضر وتصديرها للعالم بدلًا من البترول والغاز.
■ هل تمتلك مصر المقومات التى تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا لتكنولوجيا الطاقة المتجددة؟
- بالطبع، مصر من أكثر دول العالم المعرضة للشمس، وبعض المدن المصرية مصنفة ضمن أعلى خمس مدن عالميًا فى عدد ساعات الإشعاع الشمسى سنويًا، مثل مدينة مطروح، وهذا يرتبط بتوافر الشمس وانخفاض معدلات تكون السحب، وبالتالى يكون إنتاج الخلايا الشمسية فى مصر أغزر من غيرها.
وإذا أضفنا إلى ذلك الموقع الاستراتيجى لمصر وقربها من أوروبا مع وجود مركز لوجستى كبير مثل قناة السويس، فيمكننا القول إن مصر تمتلك كل مقومات التحول إلى مركز عالمى للطاقة الجديدة والمتجددة.
■ هل يمكننا رؤية صناعة مصرية أو عربية متقدمة للخلايا الشمسية تعتمد على أحدث التقنيات؟
- لا شىء مستحيلًا، يمكن طبعًا أن نرى صناعة خلايا شمسية مصرية خالصة أو عربية؛ فمثلًا يوجد الكثير من الخبراء والعلماء فى تكنولوجيا «البيروفسكايت» من مصر والدول العربية.
كما توجد نقطة مضيئة فى هذا المجال وهى جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، حيث تمكن الباحثون فيها من تحقيق رقم قياسى فى كفاءة خلايا «البيروفسكايت» منذ عامين، وهكذا يمكننا بالطبع استغلال العقول العربية المتميزة وتحقيق نجاح فى هذا المجال المهم.
■ هل لديك تعاون بحثى مع مؤسسات أو علماء مصريين؟
- أتعاون مع مجموعة بحثية فى معهد بحوث البترول المصرى بقيادة الدكتور سيد جمال زكى، وبالطبع فإن شبكات التعاون العلمى والبحثى مؤثرة وفعالة جدًا على المستوى العالمى.
■ أخيرًا.. ما الحلم أو المشروع العلمى الذى تسعى إلى تحقيقه خلال السنوات المقبلة؟
- حلمى هو أن تتمكن مصر من إنتاج الخلايا الشمسية بشكل تجارى، وأن تحقق انتقالًا فعالًا إلى مصادر الطاقة المتجددة، وأن تستخدمها فى التوسع الزراعى فى الصحراء الغربية.
■ لديك أبحاث وابتكارات عديدة فى مجال الخلايا الشمسية.. حدثنا عنها؟
- لدىّ أكثر من ٤٥ بحثًا منشورًا فى مجال الخلايا الشمسية، أبرزها بحث فى مجلة «ساينس» الشهيرة، شاركت من خلاله فى تطوير خلايا شمسية تتحمل ظروف الحرارة المتطرفة ارتفاعًا وانخفاضًا.
كما شاركت فى بحث آخر بمجلة «Nature Energy» مع أكثر من ٦٠ باحثًا فى تأسيس قاعدة بيانات شاملة لمجال خلايا «البيروفسكايت» الشمسية. وأخيرًا لدىّ براءة اختراع لتطوير جهاز يمكنه تحضير خلايا «البيروفسكايت» الشمسية عند درجات حرارة منخفضة.

















0 تعليق