شهدت العاصمة السودانية الخرطوم تطورات عسكرية بالغة الخطورة إثر تعرضها لأعنف وأكبر هجوم جوي منسق بالطائرات المسيرة الانقضاضية والاستراتيجية منذ اندلاع القتال، حيث شنت قوات الدعم السريع هجمات متزامنة استهدفت مواقع استراتيجية وحيوية في المدن الثلاث المكونة للعاصمة مما أدى إلى تصاعد الدخان في سماء المدينة، ودفع بالجيش السوداني لتفعيل كافة منظومات الدفاع الجوي والمضادات الأرضية للتصدي لهذه الموجة غير المسبوقة من القصف الممنهج.
وحسب تقرير لموقع اندبندنت عربية وصحف سودانية، فإن دفاعات الجيش الجوية تمكنت من إسقاط معظم الطائرات المسيّرة التي حلقت في سماء الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري قبل وصولها إلى أهدافها العسكرية، في حين أكدت منصة تأسيس التابعة للدعم السريع نجاح الهجوم في استهداف قاعدة وادي سيدنا العسكرية ومعسكر المرخيات للتدريب وتدمير منظومات جوية للرصد والتشويش، وسط سماع دوي انفجارات عنيفة هزت الأحياء الشمالية والشرقية واشتعال النيران في عدة منشآت.
وتشير التقارير الميدانية المتطابقة إلى أن الهجوم بالمسيرات على الخرطوم تسبب في دمار واسع بالبنية التحتية والمباني السكنية المحيطة بالمواقع المستهدفة، وتزامن ذلك مع إعلان القوات المشتركة استعادة السيطرة الكاملة على منطقة جرجيري الاستراتيجية الواقعة على الحدود الإدارية بين ولايات غرب ووسط دارفور، مما يشكل ضربة موجعة لخطوط إمداد الدعم السريع التي تعتمد على هذه المنطقة الحيوية لربط محاورها العسكرية وتأمين ممراتها في الإقليم المضطرب.
وفي سياق متصل تعرض جسر أردمتا الحيوي الرابط بين شرق وغرب مدينة الجنينة بغرب دارفور لغارات جوية مكثفة أدت لنسفه بالكامل، وهو ما يهدد بقطع شريان الحياة الإنساني والمعبر الرئيسي للسلع والمساعدات القادمة عبر معبر أدري الحدودي، في الوقت الذي كثف فيه سلاح الجو التابع للجيش غاراته العنيفة على تجمعات الدعم السريع في مدينة الكرمك بإقليم النيل الأزرق لتعزيز تقدم القوات البرية على الحدود الإثيوبية.
المأساة الإنسانية وحرب المسيرات المحتدمة
وحذرت الأمم المتحدة عبر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا من تداعيات هذا التصعيد العسكري الخطير في الخرطوم ومختلف الولايات السودانية، لاسيما مع بدء موسم الأمطار وفصل الخريف الذي يهدد بتفاقم الكارثة الإنسانية وانتشار الأوبئة الفتاكة كالكوليرا نتيجة النقص الحاد في مياه الشرب الصالحة للاستخدام، وتضرر منشآت الصرف الصحي التي باتت تؤثر بشكل مباشر على أكثر من مليون شخص في ولاية جنوب دارفور والمناطق المحيطة بها.
ووثقت المنظمات الحقوقية ومنها منظمة مناصرة ضحايا دارفور تصاعداً مخيفاً في استخدام تكنولوجيا المسيرات المتطورة التي حولت الخرطوم والولايات الأخرى إلى ساحات حرب دموية، حيث تم رصد اثنتين وأربعين واقعة قصف جوي أسفرت عن مقتل مئات المدنيين العزل وإصابة المئات وتشريد الآلاف، ونالت ولاية شمال دارفور النصيب الأكبر من تلك الهجمات الفتاكة بنسبة تجاوزت ستين بالمئة تليها ولاية جنوب دارفور وولايات كردفان والجزيرة وسنار.
وفي خضم هذه المعارك الدامية تصاعدت المخاوف الدولية من انفجار الأوضاع الأمنية بسبب النزاعات القبلية في دارفور، حيث أسفرت الاشتباكات الأخيرة بين قبيلتي السلامات والبني هلبة في ولاية جنوب دارفور عن مقتل عشرات المواطنين ونزوح أكثر من ثلاثة عشر ألف شخص، مما دفع بالأمم المتحدة لتجديد دعواتها الملحة لكافة الأطراف بضرورة الالتزام بالقانون الدولي وحماية المدنيين وتسهيل مرور المساعدات الإنسانية العاجلة دون عوائق.
ونتيجة لاستمرار الحرب والحصار المفروض على المدن السودانية يعيش السكان في الخرطوم ظروفاً معيشية وصحية بالغة التعقيد، حيث تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية وانقطاع مستمر للتيار الكهربائي وشبكات الاتصال، مما جعل إنقاذ الجرحى والمصابين أمراً في غاية الصعوبة في ظل استمرار دوي الانفجارات وتحليق الطائرات المسيرة في سماء العاصمة التي باتت شبه خالية من مظاهر الحياة الطبيعية.
المواقف السياسية والترحيب ببيان الشركاء الدوليين
وعلى الصعيد السياسي حظي البيان المشترك الصادر عن الشركاء الدوليين والإقليميين برعاية المجموعة الخماسية بترهيب واسع من القوى السياسية المدنية في الخرطوم، حيث وصف التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة صمود البيان بأنه يستجيب لتطلعات الشعب السوداني في وقف الحرب الدائرة بصورة عاجلة، وأكد الناطق الرسمي باسم التحالف جعفر حسن على أهمية قيام سلطة مدنية ديمقراطية تقود المرحلة الانتقالية بعيداً عن هيمنة الجماعات المتطرفة.
ورحبت الكتلة الديمقراطية من جانبها بالمواقف الدولية الواضحة التي أكدت على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ورفض الحلول العسكرية للأزمة، وأشارت الكتلة في بيان رسمي إلى أن إطلاق عملية سياسية شاملة تستوعب كافة القوى المدنية والمجتمعية والسياسية دون إقصاء يمثل المدخل الأساسي لبناء توافق وطني، مع ضرورة المشاركة الفاعلة للشباب والنساء لضمان بناء دولة المؤسسات المستقرة وإنهاء معاناة ملايين اللاجئين والنازحين.
ومن جهته أعلن تحالف السودان التأسيسي المقرب من قوات الدعم السريع ترحيبه بتأكيد البيان المشترك على أهمية المسار المدني، وأبدى الناطق الرسمي باسم التحالف أحمد تقد لسان استعدادهم الكامل للجلوس مع كافة القوى السياسية والمدنية باستثناء الحركة الإسلامية وواجهاتها، وذلك من أجل التوصل إلى تفاهمات وطنية حقيقية تضع حداً نهائياً للحرب وترسم ملامح المستقبل السلمي والديمقراطي للبلاد التي أنهكتها الصراعات المسلحة على مدار العقود الماضية.
وكان الشركاء الدوليون ممثلين بالولايات المتحدة وبريطانيا ودول أوروبية إلى جانب الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية قد هددوا باتخاذ إجراءات صارمة ورادعة ضد أي أطراف تعرقل المسار السياسي المدني، وأكدوا على تقديم الدعم الكامل للآلية الخماسية لتنظيم حوار سوداني شامل تقوده القوى المدنية خلال الأشهر الستة المقبلة، لضمان الانتقال السلمي وتأسيس سلطة شرعية تمثل الإرادة الحرة للشعب السوداني وتنهي مأساة الحرب الحالية.
جذور الصراع وتاريخ المواجهات في العاصمة
وتعيد هذه الأحداث المتفجرة إلى الأذهان الخلفيات التاريخية لبداية النزاع المسلح الذي اندلع في الخرطوم، حينما تفجرت الخلافات السياسية والعسكرية بين قيادة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بشأن خطط الدمج والإصلاح الأمني والعسكري وضمان التبعية للسلطة المدنية، مما أدى إلى اندلاع مواجهات مسلحة عنيفة في منتصف أبريل من العام الماضي في قلب القواعد العسكرية والمطارات الاستراتيجية وامتدت سريعا لكافة أنحاء البلاد.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تصبح فيها الخرطوم مسرحاً للعمليات العسكرية الواسعة وحرب الشوارع، إذ عانت المدينة طوال الأشهر الماضية من موجات نزوح جماعية كبرى فراراً من القصف المدفعي والجوي المتبادل، وتحولت الأحياء السكنية العريقة والأسواق التاريخية إلى ثكنات عسكرية ومناطق اشتباك مباشر، مما تسبب في انهيار اقتصادي واجتماعي تام وتدمير شامل للمؤسسات الحيوية والمقار السيادية في الدولة السودانية.
وفي خضم هذه التطورات تبرز أهمية الدور الإعلامي في تغطية الأحداث الساخنة من داخل الخرطوم، حيث يواجه الصحفيون والإعلاميون مخاطر جمة أثناء نقل الحقائق وتوثيق الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق المدنيين في مواقع القتال، وتعمل العديد من المنصات الإخبارية المحلية والقنوات الفضائية العربية على توفير تغطيات حية ومباشرة للأوضاع الميدانية والإنسانية المعقدة رغم القيود الأمنية الصارمة والخطورة البالغة على حياتهم في الميدان.
وتظل الآمال معلقة على الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية الرامية لإيجاد صيغة توافقية تلزم الطرفين بوقف إطلاق النار الشامل وفتح الممرات الآمنة للمساعدات، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في العاصمة الخرطوم وبقية أقاليم السودان التي تواجه شبح المجاعة والتمزق، وسط دعوات شعبية متزايدة لتقديم المصلحة الوطنية العليا وتغليب لغة الحوار على لغة السلاح لإنهاء هذه الحقبة المظلمة من تاريخ السودان الحديث وإعادة بناء الدولة.


















0 تعليق