تختلط فى مجتمعاتنا، عن قصد أو عن جهل، الحدود الفاصلة بين ما هو دينى وما هو مدنى، حتى بات البعض يتوهم أن المؤسسة الدينية يجب أن تتحول إلى سلطة تشريعية تفرض رؤيتها على المجتمع بقوة القانون. وهذه من أخطر الانحرافات التى يمكن أن تصل إليها الدولة الحديثة، لأن خلط التعاليم الدينية بالقوانين المدنية لا يحمى الدين، بل يدفعه إلى ساحة الصراع، ويُحمّل المؤسسات الدينية أعباءً ليست من صميم رسالتها.
القانون المدنى تضعه الدولة لتنظيم حياة جميع المواطنين، مسلمين ومسيحيين وغيرهم، متدينين وغير متدينين، بلا استثناء أو تمييز. وهو قانون ملزم بقوة الدستور والقضاء، هدفه تحقيق النظام العام وصون الحقوق وإرساء مبدأ المساواة بين الجميع. أما الدين، فمجاله الضمير والإيمان والاقتناع الحر، لا الإكراه ولا سلطة العقوبة المدنية.
يمكن للدولة أن تُجرّم السرقة والقتل والاعتداء، لأنها تهدد أمن المجتمع وحقوق الناس. لكن السؤال الجوهرى الذى لا يمكن تجاهله: هل يمكن للدولة أن تفرض الصوم بقانون؟ أو أن تفرض عقابًا على من لا يُصلى؟ وهل يتحول الإيمان إلى محضر شرطة، أو تُختزل العبادة فى التزام قضائى إجبارى؟
أما التعاليم الدينية، فهى منظومة من النصوص المقدسة والعقائد والإرشادات الروحية والأخلاقية التى تنتمى إلى مجال الإيمان، وتهدف إلى تهذيب الإنسان فى علاقته بالله وبالناس، وترسيخ القيم العليا كالعدل والرحمة والأمانة والتسامح. ويقوم الالتزام بها أساسًا على الإيمان والضمير الحى، لا على الإلزام الخارجى.
والحقيقة التى لا تحتمل الالتباس أن التعاليم الدينية لا تُفرض بالقوة، ولا تُنتزع بالقانون، بل تُقبل بالإيمان الحر. فالإنسان يتدين بالفطرة والاقتناع والمحبة، لا تحت ضغط العقوبة أو الخوف من السلطة. وحتى فى المنظور الدينى ذاته، فإن الله سبحانه وتعالى ترك للإنسان حرية الإيمان والكفر. فكيف يُعقل أن تأتى الدولة لتفرض بالإكراه ما لم يُفرض أصلًا بالإكراه؟
ومع أن بعض المجتمعات قد يمنح بعض الأحكام الدينية أثرًا قانونيًا فى مجالات محدودة، فإن تحويل التعاليم الدينية إلى قوانين ملزمة بالقوة يُنتج نتيجة عكسية خطيرة، إذ يدفع الناس إلى الصدام المباشر مع المؤسسات الدينية، بل وربما مع الدين نفسه. فعندما يُفرض على المواطن قانون يراه غير عادل أو غير قابل للتطبيق، فإن غضبه لن يتوجه إلى السلطة التشريعية وحدها، بل قد يمتد إلى المؤسسة الدينية التى يُنسب إليها هذا التوجه. وهكذا تتحول المرجعية الروحية من مصدر للطمأنينة إلى طرف فى الصراع الاجتماعى والسياسى، وتفقد دورها الجامع.
ومن هنا جاءت أهمية الموقف الواضح للأزهر عندما أعلن صراحة، فى جريدة صوت الأزهر عن أنه «ليس جهة تشريعية»، وأن دوره يقتصر على إبداء الرأى عندما يُحال إليه مشروع القانون وفق الأطر الدستورية. فهذا هو الموقع الطبيعى للمؤسسة الدينية: الإرشاد، والتوجيه، وبيان الحكم الفقهى، لا سنّ القوانين ولا فرضها.
لكن الإشكال الحقيقى لا يقف عند حدود النصوص، بل يمتد إلى الواقع العملى: هل تتصرف المؤسسات الدينية فعلًا فى حدود هذا الدور؟ الواقع يشير أحيانًا إلى ميل نحو توسيع مساحة التأثير لتصبح أقرب إلى سلطة تشريعية غير مباشرة، بل والاستئثار بتقديم مشروعات القوانين نفسها، خصوصًا فى قضايا الأحوال الشخصية، وكأن البرلمان مجرد جهة تصديق لما يُصاغ فى دوائر دينية. وهذا يضع الأزهر والكنيسة معًا فى حرج بالغ لا ينبغى أن يُدفعا إليه، لأن ذلك يتجاوز طبيعة دورهما فى الإرشاد وبيان الرأى، لا الحلول محل السلطة التشريعية المنتخبة، أو مصادرة حق المجتمع ومؤسساته المنتخبة فى النقاش والاختيار واتخاذ القرار.
لقد أدى إدخال المادة الثانية من الدستور عام ١٩٧١، وتعديلها سنة ١٩٨٠ لتصبح «مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع»، إلى نشوء مطالب مقابلة بتنظيم المرجعيات الدينية لغير المسلمين، بما فى ذلك النص على أن «مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود هى المصدر الرئيسى للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية وشئونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية» فى دستورنا الحالى. وهكذا تعمّق التداخل بين المرجعية الدينية وصناعة القانون، حتى أصبح كل طرف يسعى إلى تحويل معتقده إلى أساس مباشر للتشريع.
لكن الدولة الحديثة لا تقوم على تعدد السلطات التشريعية الدينية، ولا يمكن أن تستقيم مع وجود مراكز متعددة تصوغ القانون من منطلقات عقائدية. بل تقوم على قانون مدنى واحد يصدر عن مؤسسات منتخبة، تتحمل وحدها المسئولية أمام الشعب. أما المؤسسات الدينية، فقيمتها الحقيقية ليست فى فرض القوانين، بل فى بناء الإنسان أخلاقيًا وروحيًا، وصناعة الضمير لا النص التشريعى.
نحن نردد دائمًا أن المصريين شعب متدين بطبعه، وهذا صحيح. لكن التدين الحقيقى لا يُصنع بالإكراه، ولا يتحقق عبر مواد قانونية وعقوبات. فالقانون الذى يُفرض على الناس دون اقتناع يدفعهم غالبًا إلى البحث عن ثغراته، أو ابتكار وسائل للتحايل عليه أو التهرب منه، وربما كسره. أما القانون الذى يحقق العدالة ويحظى بالقبول المجتمعى، فهو وحده الذى يُحترم طواعية ويُلتزم به عن قناعة.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: ما الجدوى أصلًا من إصدار قانون مثير للجدل والرفض المجتمعى، إلا من قبل من صاغوه أو من قبل قلة يدافعون عنه؟ هل الهدف من التشريع أن يتحول إلى عبء يهرب منه الناس أو يتحايلون عليه؟ أم أن معيار النجاح الحقيقى لأى قانون هو قدرته على تحقيق العدالة وإحراز القبول العام. أليس الأصل فى نجاح أى تشريع أن يشعر المواطن بأنه يحقق قدرًا معقولًا من العدالة والرضا، بحيث يلتزم به المواطن طوعًا لا خوفًا؟ إن القانون الذى يفقد قبوله الاجتماعى منذ لحظة ميلاده يتحول إلى مصدر صراع دائم بين الدولة والمجتمع، بينما القانون المتوازن هو الذى يرسخ الاستقرار ويصون هيبة الدولة دون إكراه أو مواجهة مستمرة.
جنبوا الأزهر والكنيسة هذا الحرج الثقيل. لا تدفعوا المؤسسات الدينية إلى قلب معارك السياسة والتشريع، ولا تجعلوها طرفًا فى صراعات المجتمع. اتركوها لرسالتها الأصلية: تهذيب الضمير، وترسيخ القيم، وإرشاد الناس إلى الخير. واتركوا التشريع للمؤسسات المنتخبة التى تُحاسَب أمام الأمة على قراراتها.
إن حماية الدين لا تكون بتحميله أعباء السلطة، بل بصون قدسيته من أن يُستهلك فى الصراعات السياسية والتجاذبات التشريعية. فكلما ابتعدت المؤسسات الدينية عن ميدان السلطة المباشرة، ازدادت مكانتها صفاءً وتأثيرًا واحترامًا فى النفوس.
الدولة تحتاج إلى قانون عادل، والدين يحتاج إلى ضمير حى. وعندما يختلط المجالان دون تمييز، ينهار التوازن: يضعف القانون وتُستنزف الروح الدينية معًا.
وفى الختام، يمكن القول إن القوانين المدنية والتعاليم الدينية ليست بالضرورة فى حالة صراع، بل يمكن أن تتكامل إذا احترم كل طرف حدوده ووظيفته. فالدولة تحتاج إلى القانون لضبط المجتمع وتحقيق المساواة، والمجتمع يحتاج إلى الدين لترسيخ الأخلاق وبناء الضمير الإنسانى. أما التوازن بين المجالين، فهو الشرط الأساسى لبناء دولة عادلة ومجتمع مستقر، يحترم الدين دون أن يُخضعه للصراع، ويحترم القانون دون أن يفقده روحه.















0 تعليق