فى بدروم عمارة فى وسط البلد، مبنية من زمان، تقريبًا مفيش من شكلها المعمارى اللى المهندس كان بيحلم بيه وهو بيصممها غير تمثالين نصفيين لراس ست جميلة بجناحات تحت البلكونة الصغيرة الوحيدة اللى صمدت لسبب مش معروف من معركة العمارة مع الزمن. شكل التمثالين بيدل على تأثير يونانى، أو يمكن المصمم نفسه كان يونانى. باقى العمارة طاله إيد التفاهة: لوح إعلانات بيزغلل بمحتوى إعلانى تافه ومجموعة ألوان مالهاش علاقة ببعض، كأنه اغتيال منظّم لحلم المعمارى. أو يمكن لو هو شاف العمارة كده كان مات لوحده من غير ما حد يغتاله.
فى بدروم العمارة دى، واحد راكع على ركبته حاطط ودنه على ماسورة. فوق فى الدور التالت، ابنه قاعد قدام لابتوب بيراجع تصميم حنفية بتنزّل مية ملونة عمله الذكاء الاصطناعى. العمارة اللى فقدت شكلها من بره فقدت حاجة تانية من جوه: المسافة بين اللى تحت واللى فوق.
اللى تحت اسمه فى البطاقة محمد عبدالستار. بس من أربعين سنة ما حدش ناداه كده. فى الحى كله هو "أسطى محمد حنفية." واللى يفتكر إنه بيتكسف من اللقب ده يبقى ما فهمش حاجة. تقوله يا أسطى حنفية يبتسم زى ما تقوله يا دكتور.
واللى فوق اسمه مصطفى. ابنه. عنده title على لينكدإن طوله سطرين. لو سألته بتعمل إيه يقولك كلام كتير. لو سألته بتنتج إيه يضحك ويقولك: إنت لسه بتسأل الأسئلة دى؟
والمقال ده عن المسافة بينهم. مش المسافة اللى فى السلم، المسافة اللى فى العلاقة بين الإنسان واللى بينتجه. لأن كل ما المسافة دى بتزيد، بتتملى بالتفاهة. زى واجهة العمارة بالظبط. ما حدش قرر يشوّهها. بس محدش قرر يحميها.
الأسطى بيسمع الماسورة. بيقولك: السليمة ليها صوت والمريضة ليها صوت تانى. زى الدكتور بالسماعة كده. بس الدكتور درس ست سنين، والأسطى درس على ركبة أبوه تلاتين.
أبوه عبدالستار كان عنده ورشة صغيرة، يعمل فيها كل حاجة بإيده. وقبل ما يعلّم محمد يمسك مفتاح إنجليزى، قعده جنبه وحكاله عن جده اللى كان يصنع الحنفية كلها من الأول للآخر. يقعد يومين تلاتة فى حنفية واحدة، يشكّلها ويجربها ويسلمها بإيده. الحنفية كان ليها أب. مش خط إنتاج.
وحكاله كمان إن كلمة "حنفية" أصلها فقه. لما محمد على باشا ركّب صنابير فى مسجده فى القلعة، علماء المذاهب رفضوا إلا المذهب الحنفى. أجازوا الوضوء من الصنبور وقالوا إنه بيرفع المشقة. فالناس كانت تقول "هنتوضا من الحنفية" يعنى على مذهب الأحناف. والاسم لزق. يعنى الكلمة أصلها جدال ومعرفة وقرار. مش حتة نحاس بتنزل مية.
الواد محمد كان عنده عشر سنين وقتها. ما فهمش كل الكلام. بس فهم إن أبوه بيتكلم عن الشغل بنفس الطريقة اللى الشيخ بيتكلم بيها عن الدين.
ده كان زمان.
ورشة عبدالستار كانت ماشية لحد ما المصانع كبرت والإنتاج بالجملة بدأ ياخد الزباين. الراجل اتعب وسلّم الورشة لمحمد، ومحمد فضل ماسكها سنين لحد ما الصينى دخل. حنفيات بربع التمن، بتلمع فى المحل لمعة تغطى على أى حاجة. واللمعة دى هى اللى بتبيع. بتعطّل بعد ستة شهور، بس مين بيفكر فى ستة شهور لما اللمعة بتغمزلك؟
حاول ينافس. نزّل أسعار. شال الصبى. وفى الآخر قفل الباب. مكان الورشة اتفتح مخزن موبايلات، واتحوّل هو لسبّاك تحت الطلب ولقى شغل ثابت فى الشركة اللى فى العمارة دى. يصلّح المواسير فى البدروم.
كل جيل الصنعة بتنكمش فيه. الجد كان يصنع الحنفية. الأب كان يصلحها ويصنع أجزاء منها. محمد بيصلحها بس وبيجيب قطع الغيار من سوق الجمعة. يشترى حنفية قديمة مكسورة بعشرة جنيه عشان ياخد منها الجزء الشغّال ويحييه فى واحدة تانية. لو شفته فى السوق وهو بيقلّب بتركيز، هتفتكر جراح بيختار عضو للزرع. والأسطى فعلًا بيتعامل مع الحنفية كأنها كائن حى. ليها قلب وشرايين وضغط. ولما بيصلحها وبتشتغل، بيبتسم نفس ابتسامة الدكتور لما العملية بتنجح. بس الدكتور بيقبض عشرة آلاف، والأسطى بيقبض خمسين جنيه وشكرًا.
وأحلى لحظة فى يومه مش لما بيقبض. لما بيصلح حوض والست تبص له وتقول: تسلم إيدك يا أسطى. العلاقة مباشرة. إيده صلّحت حاجة. حد استفاد. حد شافه. الحنفية اللى اشتغلت هى التقييم، والابتسامة هى الترقية. وكل ده فى بدروم.
الحنفية عند الأسطى مش منتج. هى اسمه وسمعته وشرفه. لما حد يسأله إنت مين، بيقول أنا سبّاك بنفس النبرة اللى حد تانى بيقول بيها أنا محامى. بس المحامى عنده نقابة، والسبّاك عنده شنطة.
دونو فى كتابه كان بيرثى العلاقة دى. كان بيقول إن الثورة الصناعية أول ما عملته إنها فصلت الإنسان عن منتجه. قبلها كان الصانع يعرف كل حاجة. بعدها بقى ترس. بس دونو كان بيتكلم عن أوروبا. لو نزل مصر، كان هيلاقى القصة أقسى وأطرف فى نفس الوقت. لأن الأسطى مش ترس اتشال من مكنة. ده آخر واحد فى سلسلة عائلية عمرها تلات أجيال. زى بنطلون بينكمش فى كل غسلة لحد ما بيبقى شورت. بس صاحبه لسه لابسه وماشى.
بس اللى فوق فى العمارة مش لابس نفس البنطلون.
فى الدور الأول فيه خط إنتاج صغير. الشركة مشهورة بإن حنفياتها جودتها عالية، فعاملين ورشة. مجموعة كل واحد مسئول عن جزء: ده بيعمل الذراع وده بيركّب البلف. شغل إيد لسه. بس محدش فيهم عمل حنفية كاملة فى حياته. بيجيله أمر: اعمل درج بنى ٤٠ فى ٦٠ بارتفاع ١٠. يعمله. ليه بنى؟ ليه ٤٠ فى ٦٠؟ ما يعرفش. الفرق بينه وبين الأسطى إن الأسطى بيعرف الحنفية زى ما الأب بيعرف ابنه، والعامل فى الأول بيعرف جزء من حاجة زى ما تعرف زميلك فى الشغل: بالاسم بس.
فى الدور التانى المعرض. واحد مهمته يخلّيك تمشى بالحنفية اللى هو عايزك تمشى بيها مش اللى إنت عايزها. تدخل عايز حنفية سودا تليق على طقم الحمام، تطلع بحنفية بيضا. والأطرف إن البايع نفسه مقتنع إن السودا أحسن. بس بشطارته أقنعك وأقنع نفسه إن البيضا أحلى، والاتنين خرجوا مبسوطين. الاتنين عارفين إن فيه حاجة غلط. ومحدش قال. ده مش بيع. ده تدريب يومى على التنازل عن اقتناعك. والتنازل ده لما بتمارسه كل يوم بيبقى عادة. والعادة بتبقى شخصية.
وفى التالت: مصطفى. قاعد قدام شاشتين، واحدة فيها شغل والتانية فيها تيك توك. الشغل بيعمله الذكاء الاصطناعى، ومصطفى بيراجعه يعنى بيقرأ أول سطر وآخر سطر ويدوّس send. وعلى الشاشة قدامه تصميم حنفية جديدة بتنزّل مية ملونة حسب درجة الحرارة. هو ما صممهاش، ولا يعرف تتركّب إزاى. بس بيعمل لها حملة. ابن الأسطى اللى بيحيى الحنفيات من الموت، بيسوّق لحنفية مش موجودة لسه.
نفس الحنفية. فى البدروم كائن حى بيتصلّح بإيد. فى الأول جزء من جزء على خط. فى التانى أداة إقناع. فى التالت صورة على شاشة. والعمارة من بره فقدت تماثيلها، ومن جوه فقدت خيطها.
والمسافة بين البدروم والتالت هى المسافة بين إنسان لسه فاكر إن كلمة "حنفية" جاية من فتوى، وإنسان الكلمة عنده مجرد hashtag.
والأسطى لسه فى البدروم. لسه بيسمع المواسير. عارف إنه الأخير. والسوق مش بيكافئ الجودة، بيكافئ السعر. والسعر بيكافئ الكمية. والكمية بتخلّص على الحرف.
بس بينزل كل يوم بالشنطة. لأنه مش عارف يبقى حاجة تانية. ولأن الحنفيات لسه بتعطّل. ولأنه فى بلد بتتعطّل فيه كل حاجة، الراجل اللى بيعرف يصلّح لسه عنده شغل.
والسؤال اللى ما حدش بيسأله: لو الأسطى بطّل ينزل بكره، مين هيسمع المواسير؟
المقال القادم: إزاى مصطفى وصل للدور التالت؟















0 تعليق