في لحظة بدت فيها المنطقة على بعد خطوات من مواجهة إقليمية واسعة، عادت التوترات العسكرية بين إيران وإسرائيل إلى الواجهة بصورة مفاجئة، لتبدد أسابيعًا من الهدوء النسبي الذي أعقب اتفاق وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن في أبريل الماضي.
وبين صواريخ باليستية انطلقت من إيران وغارات إسرائيلية استهدفت مواقع داخل الأراضي الإيرانية، ارتفعت المخاوف من انزلاق الأوضاع إلى صراع مفتوح قد تتجاوز تداعياته حدود الطرفين، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة سريعًا لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى حرب شاملة.
بدأ التصعيد بإعلان إيران إطلاق 11 صاروخًا باليستيًا باتجاه إسرائيل، قالت إنها استهدفت قاعدة "رامات ديفيد" الجوية شمال البلاد إلى جانب مواقع أخرى. ولم يكن هذا التحرك مجرد رد عسكري محدود، بل حمل في طياته رسالة واضحة بأن طهران ما زالت قادرة على فرض معادلات ردع جديدة كلما رأت أن مصالحها أو حلفاءها في المنطقة يتعرضون للتهديد.
وفي المقابل، لم تتأخر إسرائيل في الرد، حيث شنت غارات جوية على أهداف داخل إيران، في خطوة عكست تمسك تل أبيب بسياسة الرد الفوري على أي هجوم يستهدفها. وبذلك عادت المواجهة المباشرة بين الجانبين للمرة الأولى منذ دخول التفاهمات الأخيرة حيز التنفيذ، الأمر الذي أعاد التساؤلات حول مدى صلابة تلك التفاهمات وقدرتها على الصمود أمام التوترات المتكررة.
لكن اللافت أن وتيرة التصعيد لم تستمر طويلًا، إذ أعلنت القيادة الموحدة للقوات المسلحة الإيرانية انتهاء عملياتها العسكرية ضد إسرائيل بعد ساعات من بدء المواجهة، مؤكدة أنها أوصلت رسائلها العسكرية المطلوبة.
غير أن إعلان التهدئة لم يخل من التحذيرات، فقد شددت طهران على أن أي اعتداءات إسرائيلية جديدة، وخاصة تلك المرتبطة بالساحة اللبنانية، ستواجه برد أكثر قوة واتساعًا. وهنا يتضح أن إيران أرادت الجمع بين أمرين متوازيين،إظهار القدرة على الرد من جهة، وترك الباب مفتوحًا أمام احتواء التصعيد من جهة أخرى.
ورغم انتهاء الجولة العسكرية سريعًا، فإن طهران سعت من خلالها إلى ترسيخ معادلة مفادها أن أسباب التوتر ما زالت قائمة، وأن أي استهداف لمصالحها أو حلفائها في المنطقة قد يقابل برد مباشر، وهو ما يجعل احتمالات التصعيد مستقبلًا قائمة رغم التهدئة الحالية.
وفي السياق ذاته، زادت تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي من حدة الرسائل السياسية، بعدما أكد أن بلاده تشكك في قدرة إسرائيل على تنفيذ عملياتها العسكرية ضد إيران دون تنسيق مباشر مع الولايات المتحدة، في إشارة تعكس استمرار الشكوك الإيرانية تجاه الدور الأمريكي في مجريات الأزمة.
ومع اتساع دائرة القلق الدولي، بدا واضحًا أن واشنطن لا ترغب في رؤية المنطقة تنزلق نحو مواجهة جديدة قد تطيح بالتوازنات الهشة التي عملت على ترسيخها خلال الأشهر الماضية. ومن هنا جاء التدخل الأمريكي السريع بقيادة الرئيس دونالد ترامب، الذي دعا بشكل مباشر إلى وقف القتال فورًا بين الجانبين.
غير أن التحركات الأمريكية لم تقتصر على التصريحات العلنية، إذ كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن ضغوط مباشرة مارسها ترامب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف أي خطط تستهدف توسيع نطاق الهجمات ضد إيران.
وبحسب ما نقلته القناة 12 الإسرائيلية، فقد حملت الرسائل الأمريكية نبرة غير معتادة، إذ أبلغ ترامب نتنياهو بأن عليه توخي الحذر في خطواته المقبلة، محذرًا من أن أي اندفاع نحو حرب واسعة قد يضع إسرائيل في مواجهة منفردة مع إيران دون ضمان حصولها على دعم أمريكي كامل.
هذه الرسائل كشفت في الوقت نفسه عن وجود فجوة متزايدة بين الرؤية الأمريكية والإسرائيلية تجاه إدارة الصراع مع إيران. في حين تبدو إدارة ترامب حريصة على منع أي تصعيد قد يشعل المنطقة بأكملها ويؤثر على المصالح الأمريكية الاستراتيجية، لا تزال إسرائيل تنظر إلى التهديد الإيراني باعتباره أولوية أمنية تستوجب إبقاء خيار القوة العسكرية حاضرًا على الدوام.
ومن هنا يمكن فهم حجم الضغوط التي مورست خلال الساعات الأخيرة، إذ تخشى واشنطن أن يؤدي أي تحرك غير محسوب إلى نسف التفاهمات القائمة مع طهران وإعادة المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، فإن مؤشرات التهدئة لم تنسحب بالكامل على بقية الجبهات.قد واصلت إسرائيل تنفيذ ضربات على مناطق في جنوب لبنان، فيما استمرت المواجهات المحدودة على الحدود، ما يؤكد أن الساحة اللبنانية لا تزال تشكل إحدى أبرز نقاط الاحتكاك في الصراع الإقليمي.
وتعكس هذه التطورات حقيقة أن الصراع بين طهران وتل أبيب لم يعد محصورًا داخل حدودهما الجغرافية، بل بات يمتد عبر شبكة معقدة من الملفات والجبهات الإقليمية المتداخلة، الأمر الذي يجعل أي تهدئة بين الطرفين قابلة للاهتزاز في أي لحظة.
وفي خضم هذه التطورات، يبرز سؤال حول جدوى الضربات الإيرانية بالنسبة للبنان، ماذا تغير على أرض الواقع بعد استهداف إيران لإسرائيل؟! بينما قدمت طهران عملياتها العسكرية باعتبارها جزءًا من معادلة الردع الإقليمي، لم ينعكس ذلك عمليًا على المشهد اللبناني من خلال وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية أو الحد من وتيرتها.
بل على العكس، استمرت الغارات والاعتداءات الإسرائيلية على مناطق في الجنوب رغم التصعيد الإيراني ورغم إعلان وقف إطلاق النار بين طهران وتل أبيب.
ويعزز ذلك الانطباع بأن لبنان لا يزال يدفع كلفة الصراعات الإقليمية وتداعياتها الأمنية، فيما تبقى معادلة الاستقرار مرهونة بتطورات تتجاوز حدوده. حتى بعد الضربات الإيرانية التي قددمت على أنها جزء من معادلة الردع في مواجهة إسرائيل، لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، ما يطرح تساؤلات حول المكاسب الفعلية التي حققتها هذه المواجهة بالنسبة للبنان، في ظل استمرار الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة للتوتر والاشتباك.
ورغم نجاح الجهود السياسية في إعادة الهدوء النسبي ووقف تبادل الضربات، فإن السؤال يبقى مطروحًا: هل انتهت الأزمة بالفعل أم أن ما جرى لا يتعدى كونه هدنة مؤقتة؟
المعطيات الحالية تشير إلى أن أسباب التوتر ما زالت قائمة، بدءًا من الخلافات المرتبطة بالنفوذ الإقليمي، مرورًا بالملف النووي الإيراني، وصولًا إلى الجبهات المفتوحة في لبنان وسوريا وغزة.
لذلك، تبدو المواجهة الأخيرة أقرب إلى جولة مؤقتة من الصراع منها إلى نهاية للأزمة.العوامل التي دفعت إلى التصعيد ما زالت قائمة، كما أن ملفات النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني والجبهات المشتعلة لم تجد طريقها إلى التسوية بعد.
وبين تصعيد كاد يدفع المنطقة نحو مواجهة واسعة، وتهدئة فرضتها الحسابات السياسية والضغوط الأمريكية، يبقى الشرق الأوسط أمام واقع شديد الهشاشة.
وقف إطلاق النار نجح في إخماد المواجهة موقتا، لكنه لم ينجح في إزالة أسبابها، ما يعني أن أي حادثة جديدة قد تعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد وتفتح الباب أمام جوله اكثر خطورة في المستقبل.


















0 تعليق