ودعت في مثل هذا اليوم عام 2006، الساحة الفنية الفنانة القديرة هدى سلطان، إحدى أيقونات الفن المصري والعربي، التي تركت إرثًا فنيًا استثنائيًا عبر مسيرة إبداعية امتدت لأكثر من خمسة عقود، رسخت خلالها مكانتها كواحدة من أبرز نجمات جيلها، مقدمةً أعمالًا خالدة في الغناء والسينما والمسرح والدراما التلفزيونية، لتبقى بصمتها الفنية حاضرة في وجدان الجمهور العربي حتى اليوم.
ست الحسن
وُلدت هدى سلطان واسمها الحقيقي بهيجة عبدالسلام عبد العال الحو في 15 أغسطس 1925 بمحافظة الغربية، بقرية كفر أبو جندي التابعة لمركز قطور بالقرب من طنطا، وكانت الثالثة بين خمسة أشقاء.
نشأت في أسرة محافظة، وحفظت القرآن الكريم في سن مبكرة، وظهرت موهبتها الفنية مبكرًا، إذ غنت لأول مرة أمام الجمهور وهي طفلة خلال حفل مدرسي على مسرح البلدية بطنطا عام 1937، بأغنية لكوكب الشرق أم كلثوم.
وبعد وفاة والدها، انتقلت إلى القاهرة بدعم من شقيقها الموسيقار محمد فوزي، الذي كان له دور مهم في دعم بداياتها الفنية وتعريفها بكبار الفنانين، ما ساعد على صقل موهبتها وفتح الطريق أمامها في الوسط الفني.
بدأت رحلتها الغنائية بدراسة الموسيقى على يد الملحن أحمد عبدالقادر، الذي ساعدها في اعتمادها كمطربة بالإذاعة، كما حظيت بإعجاب الموسيقار رياض السنباطي الذي تنبأ لها بمستقبل واعد، واختارها للمشاركة في بطولة فيلمه الوحيد "حبيب قلبي" من إخراج حلمي رفلة.
ومن الإذاعة، انطلقت بصوتها عبر أغنية "حبيبي مالقيتش مثاله سلطان على عرش جماله"، لتبدأ مرحلة جديدة من الانتشار.
وفي عام 1950، دخلت هدى سلطان عالم السينما حين اكتشفها المنتج جبرائيل نحاس وأسند إليها بطولة فيلم "ست الحسن" للمخرج نيازي مصطفى، وهو العمل الذي حمل الاسم الفني "هدى سلطان" الذي عُرفت به لاحقًا، وحقق الفيلم نجاحًا لافتًا مهد لها الطريق لبطولة فيلمها الثاني "حكم القوي" عام 1951.
ومع مرور السنوات، رسخت مكانتها كنجمة شاملة، إلا أن تحولًا ملحوظًا طرأ على أدوارها في السبعينيات مع التقدم في العمر، فبدأت مرحلة جديدة بأعمال مثل فيلم "السيرك"، ثم "ثلاث نساء"، ليكتمل التحول عام 1971 بفيلمي "الاختبار" و"شيء في صدري"، وتوالت بعد ذلك أعمالها ومنها "السكرية" عام 1973 و"إمبراطورية المعلم" و"بدور" عام 1974.
وشكّلت شراكتها الفنية مع الفنان فريد شوقي واحدة من أشهر الثنائيات في تاريخ السينما المصرية، حيث قدما معًا أكثر من 20 فيلمًا ناجحًا، من بينها "رصيف نمرة 5"، "فتوات الحسينية"، "سوق السلاح"، "النمرود"، "جعلوني مجرمًا"، "الأسطى حسن"، "أبو الدهب"، إلى جانب تأسيسهما شركة إنتاج قدمت أعمالًا لافتة.
قدّمت هدى سلطان خلال مسيرتها الفنية مجموعة من الأغاني التي لاقت رواجًا واسعًا وحظيت بإعجاب الجمهور. من أبرز أعمالها الغنائية: "يا مسافر وحدك"، "قلبي ومفتاحه"، "أنا بعشقك"، و"سحر العيون"، والتي أسهمت مجتمعة في ترسيخ مكانتها كواحدة من الأسماء اللامعة في تاريخ الغناء العربي الكلاسيكي، لتؤكد من خلالها قدرتها على الجمع بين الأداء الغنائي المميز والحضور الفني المتنوع.
كما تركت بصمة قوية في السينما، حيث شاركت في عدد كبير من الأفلام البارزة مثل: "امرأة في الطريق"، "كهرمان"، "بورسعيد"، "نساء محرمات"، "الوداع يا بونابرت"، ونالت عنها جوائز وتكريمات عدة، خاصة عن أدوارها التي عكست قدرات تمثيلية عالية وحضورًا استثنائيًا.
وبرعت بشكل خاص في تجسيد شخصية الأم، وقدمتها في أعمال مؤثرة مثل "صابرين"، "عودة الابن الضال"، "شلة الأنس"، "أسياد وعبيد"، "شفاه لا تعرف الكذب".
وفي الدراما التلفزيونية، تركت بصمة قوية عبر مسلسلات بارزة مثل "الوتد"، "أرابيسك"، "زيزينيا"، "الليل وآخره"، "ليالي الحلمية"، "رد قلبي"، "زينب والعرش"، "علي الزيبق"، "للثروة حسابات أخرى"، وكان آخر ظهور لها في مسلسل "سلالة عابد المنشاوي".
وعلى خشبة المسرح، قدمت أعمالًا لا تُنسى منها "مين ضحك على مين"، "الحرافيش"، "الملاك الأزرق"،" 8 ستات"، "معقول؟ لا معقول"، إضافة إلى مشاركتها في أوبريت «القدس حترجع لنا»، ما عزز حضورها كفنانة متعددة المواهب.
لم يقتصر حضورها على الغناء والسينما والمسرح فقط، بل امتد ليشمل الدراما الإذاعية حيث شاركت في عدد من المسلسلات الإذاعي من أبرزها: "سيد درويش"، "بمبة كشر"، "أبو خنجر"، "سن الملك"، "الرجل الثعلب".
وبعد غياب طويل عن السينما دام قرابة عقدين، عادت عام 2003 كضيفة شرف في فيلم "من نظرة عين" مع منى زكي، في مشاركة جاءت دعمًا لابنتها المنتجة ناهد فريد شوقي.
وخلال مسيرتها، حصدت هدى سلطان العديد من الجوائز وشهادات التقدير عن أعمالها المختلفة، كما كرمتها مهرجانات فنية ومؤسسات ثقافية عربية، ومن بين تكريماتها مهرجان السينما الروائية عام 1998 ومهرجان الموسيقى العربية، بينما كانت آخر جائزة حصلت عليها عن دورها في مسلسل "الوتد" خلال مهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون.
أما على الصعيد الشخصي، فقد تزوجت خمس مرات، كان أولها في سن مبكرة من محمد نجيب، وأنجبت منه ابنتها نبيلة، ثم تزوجت من فؤاد الجزايرلي، وفؤاد الأطرش، قبل زواجها من الفنان فريد شوقي الذي استمر نحو 15 عامًا وأنجبت منه ابنتيها مها وناهد، وأخيرًا المخرج حسن عبد السلام، قبل أن تنهي تلك المرحلة من حياتها لتتفرغ للفن.
وفي الخامس من يونيو 2006، رحلت هدى سلطان عن عمر ناهز 80 عامًا بعد صراع مع المرض، وبعد نحو 50 يومًا فقط من رحيل ابنتها مها، لتطوي صفحة واحدة من أهم صفحات الفن المصري، بينما بقي صوتها وأعمالها شاهدًا على مسيرة استثنائية لا تُنسى.















0 تعليق