أعلن الأمير أباظة استقالته من رئاسة مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، مؤكدًا أن بقاء المهرجان واستمراره في أداء رسالته الثقافية والفنية أهم من استمرار أي شخص في موقعه، مهما كان دوره أو تاريخه داخل هذا الصرح السينمائي العريق.
وقال أباظة، في بيان مطول، إن الأشخاص إلى زوال، بينما تبقى المؤسسات والقيم الحقيقية، مشددًا على أن مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط سيظل منارة مضيئة في جبين الثقافة المصرية والمتوسطية، وأن قراره بالاستقالة جاء انطلاقًا من الحرص على استمرار المهرجان وحماية مسيرته.
وأكد أنه قرر التنحي عن رئاسة الدورة الجديدة للمهرجان من أجل المصلحة العامة، موضحًا أن ما يهمه في النهاية هو أن تستمر رسالة المهرجان وأن يواصل أداء دوره في خدمة الفن والثقافة والسينما، بعيدًا عن الخلافات والمهاترات التي شهدتها الفترة الأخيرة.
خمس مرات بالانتخاب وثلاثة عقود من العمل
واستعرض أباظة مسيرته داخل الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما والمهرجان، مؤكدًا أنه لم يصل إلى موقعه بالتعيين أو الفرض، وإنما عبر انتخابات متتالية أجرتها الجمعية العمومية التي تضم نخبة من كتاب ونقاد السينما.
وأشار إلى أنه انتُخب بأغلبية مطلقة ولأكثر من خمس مرات على مدار نحو ثلاثين عامًا، كما جرى اختياره مرات عديدة بالتزكية من قبل مجلس الإدارة لرئاسة الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما ورئاسة مهرجان الإسكندرية السينمائي.
وقال إن مجلس الإدارة ما زال متمسكًا باستمراره في منصبه، إلا أنه فضّل تقديم مصلحة المهرجان على أي اعتبار آخر، مؤكدًا أنه لم ينشغل بأصحاب المصالح أو المحرضين، وإنما انحاز إلى الكيان الذي أفنى سنوات طويلة من عمره في خدمته.
وأضاف أن أعضاء الجمعية العمومية الذين منحوه ثقتهم عبر السنوات هم أصحاب الحق الأصيل في الاختيار، معربًا عن امتنانه لكل من دعمه طوال تلك السنوات، ومؤكدًا أن استمرار الثقة فيه لأكثر من ثلاثة عقود لا يمكن تفسيره بالمجاملة أو المصادفة، خاصة أنه لا يملك نفوذًا أو سلطة أو إمكانات مادية، وإنما اعتمد على العمل والإخلاص في خدمة الجمعية والمهرجان.
وتحدث أباظة عن رحلته المهنية والثقافية، مشيرًا إلى أنه انضم إلى الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما في شبابه واستمر في العمل بها حتى شابت سنوات العمر، كما أصدر خلال مسيرته 26 كتابًا في مجالات السياسة والفن والتاريخ.
وأوضح أنه أصبح عضوًا في اتحاد كتاب مصر عام 2013، ثم تولى منصب أمين الصندوق قبل أن يستقيل منه، ليعود في عام 2026 عضوًا بمجلس إدارة الاتحاد مرة أخرى.
وكشف أباظة أنه كان يسعى بالفعل إلى إحداث تغيير في إدارة المهرجان وتجديد آليات العمل، موضحًا أنه تواصل منذ عدة أشهر مع الدكتور وليد سيف وعرض عليه تولي رئاسة مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط.
وأشار إلى أن اختياره جاء استنادًا إلى خبرة سيف السابقة في رئاسة الدورة الثامنة والعشرين للمهرجان، عندما كان أباظة يشغل منصب نائب رئيس المهرجان، مؤكدًا أنه كان يبحث عن رؤية جديدة وصورة مختلفة للمهرجان مع اقترابه من الاحتفال بنصف قرن على تأسيسه.
إلا أن وليد سيف، بحسب البيان، اعتذر عن قبول المهمة بسبب ظروف خاصة اعتبرها منطقية، في حين رأى أباظة أنها لا تقلل من قدرته على قيادة المهرجان، نظرًا لما يتمتع به من كفاءة وخبرة ومكانة علمية.
وأضاف أنه طلب من سيف ترشيح شخصية بديلة، إلا أن الأخير لم يتمكن هو الآخر من تقديم اسم يراه مناسبًا لرئاسة ثاني أقدم مهرجان سينمائي في مصر.
وأوضح أباظة أن فكرة التغيير طُرحت داخل مجلس الإدارة، وأنه وافق عليها على الفور، مطالبًا بطرح أسماء مناسبة لتولي المسؤولية.
وقال إن الأسماء التي تم تداولها لم تحظَ بتوافق أعضاء مجلس الإدارة، ما أدى إلى تأجيل الاجتماع لمدة أسبوعين بحثًا عن حل مناسب.
وخلال هذه الفترة، رأى عدد من أعضاء المجلس ضرورة الإسراع في اتخاذ القرار، حتى تتاح للرئيس الجديد فرصة كافية للاستعداد للدورة المقبلة والعمل على نجاحها.
وأضاف أن صاحب اقتراح التغيير طلب منه ترشيح شخصية بعينها ودعمها، إلا أنه رفض التدخل في عملية الاختيار، مؤكدًا رغبته في الابتعاد عن المشهد وعدم تحميل نفسه أي مسؤولية في هذا الملف.
وأشار إلى أنه مع عدم التوصل إلى اسم يحظى بإجماع أو أغلبية أعضاء المجلس، اقترح ستة أعضاء من مجلس الإدارة إعادة ترشيحه لرئاسة المهرجان باعتبار ذلك مخرجًا للأزمة، بينما رفض عضوان هذا الاقتراح، وذلك خلال اجتماع حضره تسعة أعضاء من أصل أحد عشر عضوًا.
حملة تشويه وقرار مؤلم
وأكد أباظة أن هذه التطورات أعقبتها حملة تشهير وتشويه ضده، موضحًا أن الحديث عن تفاصيلها ليس محل البيان الحالي، وأنه سيتناولها في وقت لاحق.
وأضاف أن ما جرى خلال اجتماع لجنة المهرجانات السينمائية بوزارة الثقافة انتهى إلى صدور قرار وصفه بالمؤلم لكل مثقف حريص على الثقافة المصرية، وليس فقط على مهرجان الإسكندرية السينمائي.
وشدد على أن قرار الاستقالة جاء من داخله وعن قناعة شخصية كاملة، وليس استجابة لضغوط من الجمعية أو من أي جهة خارجية.
وقال إنه فضّل التنحي حفاظًا على الجهود التي بذلها مؤسسو المهرجان عبر العقود الماضية، وعلى رأسهم القامات الثقافية والفنية التي أسست هذا الكيان وتركت أمانته للأجيال التالية.
وأضاف: "إذا كانت المشكلة في شخصي، فأنا أقولها بوضوح: كفى مهاترات"، مؤكدًا أنه يرفض أن يكون وجوده سببًا في إضعاف المهرجان أو تعطيل مسيرته.
38 عامًا داخل المهرجان
واستعرض أباظة مسيرته داخل مهرجان الإسكندرية السينمائي منذ عودته عام 1988 على يد فاروق حسني، موضحًا أنه شغل خلال تلك السنوات العديد من المواقع والمسؤوليات.
وأوضح أنه بدأ مديرًا للمركز الصحفي، ثم أمينًا للصندوق، فالأمين العام للمهرجان، ومديرًا للمهرجان، ثم نائبًا للرئيس، قبل أن يتولى رئاسة الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما ورئاسة المهرجان.
وأكد أنه عمل مع عدد كبير من الزملاء والنقاد والأساتذة على تطوير المهرجان وتعزيز مكانته، مشيرًا إلى أن المهرجان نجح خلال 13 دورة في تكريم رموز الفن المصري والعربي والمتوسطي، إلى جانب شخصيات سينمائية بارزة من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وعدد من دول حوض البحر المتوسط.
وأشار إلى أن المهرجان نظم عشرات الورش الفنية ومئات الندوات السينمائية والثقافية، كما أصدر أكثر من 200 كتاب متخصص في الثقافة السينمائية، وأسهم في إنشاء مكتبة "كتاب السينما" التي شارك في إعدادها كبار الكتاب والنقاد.
وأكد أن أحلام المهرجان لا تزال كبيرة، وأن الطريق ما زال مفتوحًا أمام أجيال جديدة لاستكمال ما بدأه الرواد وتطوير التجربة بما يليق بتاريخ المهرجان ومكانته.
وفي ختام بيانه، وجه أباظة رسالة وداع مؤثرة للمهرجان الذي ارتبط به لعقود طويلة، مؤكدًا أنه يرحل ويبقى المهرجان، وأن الأفراد يذهبون بينما تستمر المؤسسات.
وقال إن مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط سيظل منارة للثقافة السينمائية ومدرسة فنية كبرى تسهم في نهضة الفن السابع، مختتمًا كلمته بتوجيه التحية للجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما والمهرجان والسينما المصرية، مؤكدًا أن مصر ستظل الغاية والوسيلة.


















0 تعليق