أكد الدكتور محمد إبراهيم العشماوي، أستاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الأزهر، أن الحكم على تصفيق الرجال عند سماع الأناشيد الدينية والمدائح النبوية بالتحريم المطلق لا يستند إلى فهم فقهي دقيق، مشيرًا إلى أن هذه المسألة من القضايا التي تتعلق بالعادات والأعراف، وتتغير أحكامها باختلاف المقاصد والظروف المحيطة بها.
وأوضح العشماوي، في منشور عبر صفحته الشخصية، أن بعض الأشخاص يذهبون إلى تحريم التصفيق على سبيل الجزم واحتكار الصواب، مستندين إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما التصفيق للنساء»، وإلى قوله تعالى: «وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية»، معتبرين أن التصفيق من خصائص النساء أو من أفعال أهل الجاهلية.
وأضاف، أن هذا الفهم غير دقيق من الناحية العلمية والفقهية، لأن حديث «إنما التصفيق للنساء» ورد في سياق الصلاة عند حدوث خلل فيها، حيث يكون تصفيق المرأة وسيلة للتنبيه، بينما يُشرع للرجل التسبيح، مؤكدًا أن تعميم الحكم الوارد في الحديث على جميع صور التصفيق خارج الصلاة لا يستقيم مع قواعد الاستدلال الفقهي.
وأشار أستاذ الحديث إلى أن الفقهاء عند تناولهم لحكم التصفيق خارج الصلاة لم يجعلوا الحكم متعلقًا بالفعل ذاته، وإنما ربطوه بالغرض منه وما قد يصاحبه من ممارسات أو سلوكيات، موضحًا أن الحكم قد يتراوح بين الإباحة والكراهة أو التحريم بحسب المقصد والكيفية والآثار المترتبة عليه.
وبيّن، أن التصفيق إذا كان يؤدي إلى التشويش على المصلين أو يُتخذ على هيئة عبادة مستقلة تخرج عن مقاصد الشرع والخشوع، فقد يُكره أو يُمنع، أما إذا كان لغرض صحيح أو منفعة معتبرة أو للتعبير عن الإعجاب والاستحسان فلا حرج فيه شرعًا.
واستشهد العشماوي بكلام عدد من كبار علماء المذهب الشافعي، وعلى رأسهم العلامة ابن حجر الهيتمي، الذي رد على الاستدلال بحديث «إنما التصفيق للنساء» في غير موضعه، موضحًا أن الحديث خاص بالصلاة، وأن التصفيق ليس من الأمور المختصة بالنساء حتى يقال إن فيه تشبهًا بهن.
كما أوضح أن الاستدلال بالآية الكريمة: «وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية» على تحريم التصفيق استدلال غير صحيح، لأن الآية نزلت في سياق ذم المشركين الذين كانوا يصدون عن سبيل الله عند البيت الحرام، وليس لمجرد فعل التصفيق أو الصفير في حد ذاته.
وأكد أستاذ الحديث الشريف أن المعتمد لدى فقهاء الشافعية أن التصفيق خارج الصلاة مباح إذا خلا من المخالفات الشرعية وما ينافي الآداب العامة، بل نص بعض العلماء على جوازه إذا كان بقصد الاستحسان أو تحسين الإنشاد أو إظهار الإعجاب بعمل حسن.
وأضاف أن عددًا من الفقهاء ألحقوا بذلك صورًا متعددة من التصفيق الذي يجري عليه عرف الناس، ومن بينها التصفيق المصاحب للإنشاد أو لإظهار الإعجاب بأداء حسن أو صناعة متقنة، ما دام ذلك لا يخرج عن حدود الوقار والآداب الشرعية.
وأشار العشماوي إلى أن الأعراف الاجتماعية لها أثر معتبر في الفقه الإسلامي، وأن العلماء قرروا قاعدة مهمة مفادها أن الأحكام المرتبطة بالعادات والأعراف قد تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، وهو ما أكده الإمام القرافي وغيره من كبار الأصوليين.
وشدد، على أن التصفيق في العصر الحديث أصبح في عرف الناس وسيلة للتعبير عن الاستحسان والإعجاب والتقدير، ولم يعد يُنظر إليه بوصفه علامة على المجون أو الخفة كما كان في بعض البيئات والأزمنة القديمة، الأمر الذي يقتضي مراعاة تغير الدلالة العرفية عند تنزيل الأحكام الفقهية.
واختتم العشماوي حديثه بالتأكيد على أن التصفيق ليس من المسائل التي يمكن الجزم فيها بالتحريم المطلق، وإنما يدور حكمه بين الحرمة والكراهة والإباحة بحسب المقصد والهيئة والظروف المحيطة به، مضيفًا: «أنا شخصيًا ممن لا يصفق ولا يحب التصفيق، لكنني لا أحب أيضًا التضييق على الناس، فالفقه إنما جُعل لرفع الحرج عن الخلق لا لإيقاعهم في الحرج والضيق».

















0 تعليق