عندما تنهار الجدران الزوجية وتتحول المنازل إلى ساحات للنزاع، غالبًا ما يدفع الأطفال الفاتورة الأبهظ، ليتحولوا دون ذنب إلى أوراق ضغط ومساومة بين طرفي النزاع، وإدراكًا لخطورة هذه المأساة التي تهدد بنية المجتمع المصري، جاء مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد لعام 2026 ليُحدث انقلابًا في الفلسفة التشريعية؛ حيث أزاح مصالح الآباء والأمهات من صدارة المشهد، ليضع مبدأ المصلحة الفضلى للصغير" كبوصلة وحيدة ومطلقة تحكم كافة قرارات محاكم الأسرة.
التشريع المرتقب لم يكتفِ بالنصوص الرنانة، بل صاغ آليات تنفيذية تقطع الطريق على محاولات تصفية الحسابات عبر استغلال الأطفال.
ولعل المكتسب الأكبر والمطلب التاريخي الذي استجاب له مشروع القانون الجديد هو إعادة صياغة العلاقة بين الطفل والطرف غير الحاضن (الأب غالبًا)، فبدلًا من نظام الرؤية البائس الذي كان يقصر علاقة الأب بابنه على ثلاث ساعات أسبوعيًا داخل أسوار الأندية ومراكز الشباب في بيئة تفتقر للدفء الأسري، أدخل التشريع نظام الاستضافة (أو الرعاية المشتركة).
ويتيح هذا النظام للطرف غير الحاضن اصطحاب الطفل للمبيت في منزله (ليوم أو يومين أسبوعيًا، وأجزاء من الإجازات الرسمية)، مما يضمن للطفل معايشة طبيعية مع عائلة والده (الأجداد والأعمام)، ويحافظ على توازنه النفسي.
ضمانة ضد الاختطاف والولاية التعليمية
لم يترك المشرع نظام الاستضافة كباب مفتوح للخطر، بل وضع ضوابط حديدية أبرزها؛ منع سفر الطفل للخارج دون موافقة صريحة من الطرفين، وإدراج اسمه تلقائيًا على قوائم المنع من السفر لحين انتهاء سن الحضانة، مع توقيع عقوبة جنائية رادعة (تصل للحبس وإسقاط حق الاستضافة) على من يرفض إعادة الطفل للحاضن في الموعد المحدد.
كثيرًا ما استُخدم مستقبل الطفل التعليمي كذراع للي ذراع الطرف الآخر، حيث كان يتعمد البعض نقل الأبناء لمدارس بعيدة أو أقل في المستوى نكاية في الحاضن، وتدخل القانون الجديد لحسم هذه الفوضى بشكل استباقي وقاطع، مقرًا بأن الولاية التعليمية (حق اتخاذ القرارات الخاصة بمسار الطفل التعليمي من تقديم ونقل وسحب ملفات) تؤول بقوة القانون إلى "الطرف الحاضن" (وهي الأم في الغالب).
ولا يتطلب الأمر الدخول في متاهات التقاضي للحصول عليها، بل تصبح حقًا أصيلًا للحاضن بمجرد وقوع الانفصال، لضمان استقرار الطفل في بيئته المدرسية بعيدًا عن تقلبات النزاع الأبوي.
نفقة الصغار.. "شيك مفتوح" غير قابل للإلغاء
في الوقت الذي أتاح فيه القانون حالات تُسقط حق الزوجة شخصيًا في النفقة (كالنشوز أو الخلع)، فإنه رسم خطًا أحمر عريضًا حول نفقة الصغار، واعتبر التشريع أن حق الطفل في المأكل، والملبس، والمسكن، والعلاج، هو دين سيادي من الدرجة الأولى في رقبة الأب لا يسقط تحت أي ظرف من الظروف.
ولتسريع حصول الصغار على حقوقهم، استحدث القانون آليات النفقة المؤقتة، حيث يُلزم القاضي بفرض مبلغ فوري كنفقة مؤقتة للأطفال في غضون أسابيع قليلة من رفع الدعوى لحين الفصل النهائي في القضية، كما ربط المشرع تقدير النفقة بقواعد البيانات الرقمية للدولة، مما يمنع الأب من إخفاء دخله الحقيقي، ويضمن للطفل مستوى معيشيًا لائقًا يتناسب مع يسار والده















0 تعليق