قال الدكتور محمد بدوي خلال مناقشة كتابه “مملكة الله” “أنا أترك النص ولا أحرسه بعد كتابته”، موضحًا أن علاقته بالكتابة النقدية تقوم على فكرة الحرية الكاملة للنص بعد خروجه إلى القارئ، بعيدًا عن أي وصاية من الكاتب على التأويل أو الفهم.
أحد “آثام الحداثة” تصوير النقد باعتباره معرفة خاصة وتجريبية مغلقة
وتحدث بدوي عن تصوره الخاص للخطاب النقدي، معتبرًا أن أحد “آثام الحداثة” – بحسب تعبيره – هو تصوير النقد باعتباره معرفة خاصة وتجريبية مغلقة، وهو ما جرى فهمه بصورة خاطئة داخل الثقافة العربية.
وأكد أن النقد بالنسبة له ليس ممارسة أكاديمية جافة، بل “عمل إبداعي” قائم بذاته.
وأوضح أن هذا التصور تشكل مبكرًا لديه خلال سنوات الجامعة، متأثرًا بتجارب أدبية وشعرية بارزة مثل يحيى الطاهر عبد الله وأمل دنقل، مشيرًا إلى أن أبناء المدارس الصعيدية اعتادوا – على حد وصفه – “إعادة تبييض النص” وإعادة إنتاجه بإبداع خاص وخالص.
وأضاف أن قراءته لنصوص هؤلاء الكتاب والشعراء جعلته يقتنع بأن الكتابة يجب أن تكون “فنًا جميلًا”، وبالتالي فإن الكتابة النقدية نفسها لا بد أن تتحول إلى كتابة تأويلية تمتلك جمالياتها الخاصة، لا مجرد خطاب شارح أو تفسيري.
وأشار إلى أن هذا النوع من الكتابة يمثل “سلاحًا ذا حدين”، إذ قد يؤدي إلى تقليل عدد الكتب التي يكتبها الناقد، لكنه في المقابل يمنح النصوص التي ينجزها تأثيرًا وعمقًا أكبر، مؤكدًا أن كثرة الكتابات النقدية لا تحقق بالضرورة القيمة المطلوبة.
محمد بدوي: النقد بالنسبة لي هو “كتابة أخرى”
وقال “بدوي”: إن النقد بالنسبة له هو “كتابة أخرى”، أو طريقة لقول ما يريد قوله عن الأدب والكتابة، ولهذا السبب لا يميل إلى الإكثار من النشر أو الإنتاج النقدي الغزير.
وفي حديثه عن واقع النقد في مصر، رأى بدوي أن هناك أزمة حقيقية، موضحًا أن عدد النقاد قليل، لكن الموجودين يتمتعون بتميز كبير.
وقارن ذلك ببعض الثقافات العربية الأخرى، مشيرًا إلى أن المغرب يمتلك حركة نقدية نشطة للغاية، إلا أن جزءًا كبيرًا منها – بحسب رأيه – متأثر بصورة مباشرة بالنقد الغربي أو قائم على نقله.
وأكد أنه ظل طوال حياته يحلم بهذا النوع من الكتابة النقدية الذي يقدمه الآن، موضحًا أنه يكتب في الأساس لنفسه، ثم لمن يهتم بهذا الشكل من الكتابة التأويلية والإبداعية.
كما أشار إلى غياب الأسماء النقدية الكبرى التي كانت حاضرة بقوة في الثمانينيات، معتبرًا أن النقد “مهنة عقلانية” داخل مجتمع بات – وفق تعبيره – يخشى العقل والعقلانية.
وتوقف محمد بدوي عند أزمة نقد الشعر تحديدًا، موضحًا أنه أصبح من النادر أن يكتب أحد نقدًا شعريًا حقيقيًا كما كان يحدث في زمن طه حسين، مضيفًا أن العثور اليوم على ناقد يمتلك لغة وأسلوبًا متميزين في نقد الشعر أصبح أمرًا بالغ الصعوبة، لافتًا إلى أن عدد نقاد الشعر في مصر لا يكاد يتجاوز “أصابع اليد الواحدة”، خاصة مع التراجع الذي تشهده الأكاديمية المصرية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن معرفة النقد شيء، وممارسة النقد باحترافية وإبداع شيء آخر مختلف تمامًا.
















0 تعليق