تباينت ردود فعل المشرعين الأميركيين في واشنطن على إعلان الرئيس دونالد ترامب، مساء السبت، قرب التوصل إلى مذكرة تفاهم أو اتفاق لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، إذ تراوحت مواقف أعضاء الكونغرس بين ترحيب حذر بخفض التصعيد العسكري وقلق متزايد من تضارب التفسيرات لما قد يفضي إليه الاتفاق من نصوص وتعهدات مبهمة، حيث تصدر صقور الجمهوريين جبهة المعارضة الشرسة للخطوة الإدارية المفاجئة التي يرونها تراجعاً غير مبرر.
وحسب تقرير لموقع صحيفة الشرق الأوسط اللندنية ومصادر تابعة لوكالات الأنباء العالمية، فقد رحب معظم الديمقراطيين بوقف القتال بوصفه خطوة إيجابية لحماية القوات الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط، لكنهم انتقدوا قرار شن الحرب منذ البداية، وحذروا إدارة ترامب من تقديم تنازلات قد تعزز قدرات طهران العسكرية والنووية، بينما رحب رئيس مجلس النواب مايك جونسون بالإعلان قائلاً إن ترامب هو الوحيد القادر على إحضار إيران إلى طاولة المفاوضات.
قلق نيابي في واشنطن من تداعيات الاتفاق مع طهران
جاءت الانتقادات الأشد ذعراً من أقرب حلفاء الرئيس، ولا سيما صقور الجمهوريين المتشددين المناهضين لإيران داخل مجلس الشيوخ، حيث انتقد كل من السيناتور ليندسي غراهام والسيناتور تيد كروز فكرة إبرام اتفاق من شأنه إعادة فتح المضيق، بما يخفف الضغط الاقتصادي والعسكري على طهران، ويسمح ببقاء النظام الحالي وتدفق الأموال إليه، مما اعتبروه ضربة للمصالح الأميركية وحلفائها بالمنطقة.
وقال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، عبر منصة إكس، إنه إذا تم إبرام صفقة لإنهاء الصراع الإيراني بناءً على اعتقاد مفاده بأنه لا يمكن حماية مضيق هرمز من الإرهاب الإيراني، وأن إيران لا تزال تمتلك القدرة على تدمير البنية التحتية النفطية الرئيسية في الخليج، فحينها سيُنظر إلى طهران باعتبارها قوة مهيمنة تفرض ضرورة التوصل إلى حل دبلوماسي شامل ومستدام.
وأضاف غراهام أن هذا التصور الانبطاحي سيتحول، بمرور الوقت، إلى كابوس مرعب بالنسبة لإسرائيل، مشككاً في المنطق الاستراتيجي الذي استندت إليه الحرب برمتها، وفي إمكان حرمان إيران من القدرة على تهديد إمدادات النفط العالمية عبر إغلاق مضيق هرمز مجدداً في المستقبل، مؤكداً أنه يشكك في الفكرة القائلة إنه لا يمكن حرمان طهران من بث الرعب بالممرات المائية الدولية.
ومن جانبه، أعرب السيناتور تيد كروز عن قلق عميق من الاتفاق المحتمل مع إيران، معتبراً أن أي تفاهم يؤدي إلى بقاء النظام الإيراني الحالي، ويتيح له تلقي مليارات الدولارات من الأموال المجمدة، سيكون خطأ كارثياً فادحاً، لافتاً إلى أن صقور الجمهوريين لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام اتفاق يعيد عقارب الساعة إلى الوراء ويمنح طهران قبلة الحياة الاقتصادية.
تحذيرات من مكاسب مالية ونووية للنظام الإيراني
وقال كروز، في بيان رسمي عبر منصة إكس، إنه يشعر بقلق بالغ إزاء ما يُطرح عن صفقة مع إيران، مشيراً إلى أن بعض الأصوات الضعيفة داخل الإدارة الحالية تدفع باتجاهها بقوة، في حين أشاد بالضربات العسكرية السابقة التي وجهها ترامب لطهران، معتبراً إياها من أكثر قرارات ولايته الثانية تأثيراً وشجاعة في مواجهة التمدد الإيراني.
وأضاف كروز أنه إذا كانت النتيجة النهائية لهذه الجهود الحربية الكبيرة هي بقاء نظام إيراني لا يزال يديره من يهتفون بشعار الموت لأميركا، ويتلقى مليارات الدولارات، ويصبح قادراً على تخصيب اليورانيوم وتطوير أسلحة نووية، فضلاً عن بسط سيطرته الفعلية على مضيق هرمز، فإن ذلك سيكون خطأ كارثياً لا يمكن تبريره للشعب الأميركي وللحلفاء.
واعتبر كروز أن إشادة مسؤولين سابقين في إدارتي باراك أوباما وجو بايدن بالصفقة تعد مؤشراً غير مشجع على الإطلاق، داعياً الرئيس ترامب إلى التمسك بمبدأ السلام عبر القوة، ومواصلة الدفاع عن الخطوط الحمراء التي رسمها مراراً، ومحذراً من الانزلاق وراء سياسات الاسترضاء التي أثبتت فشلها الذريع في العقود الماضية مع هذا النظام.
كما أعرب السيناتور الجمهوري روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، عن تحفظه الشديد وريبته إزاء الاتفاق المحتمل، قائلاً عبر منصة إكس إن وقف إطلاق النار المقترح لمدة ستين يوماً، والقائم على الاعتقاد الساذج بأن إيران ستتصرف يوماً ما بحسن نية، سيكون كارثة استراتيجية تهدد الأمن القومي الأميركي وأمن حلفائنا.
اتهامات بالتخلي عن مبدأ أميركا أولاً في المفاوضات
وقال ويكر إن تداعيات عملية الغضب الملحمي العسكرية، ستذهب سدى وهباءً منثوراً إذا مضت الصفقة بالشكل المطروح حالياً، معتبراً أن مواصلة السعي إلى اتفاق مع النظام الإيراني تنطوي على مخاطرة بإعطاء انطباع بالضعف والهوان أمام الخصوم، ومؤكداً على ضرورة إتمام ما بدأته القوات المسلحة الأميركية وحسم الصراع بشكل نهائي ودون تراجع.
وعكست هذه الانتقادات المباشرة الحادة قلقاً جمهورياً متزايداً من أن يقبل ترامب باتفاق يراه صقور الجمهوريين قريباً جداً من الاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد باراك أوباما عام ألفين وخمسة عشر، والذي انسحب منه ترامب نفسه عام ألفين وثمانية عشر بعد انتقادات لاذعة له ووصفه بأنه أسوأ اتفاق في التاريخ الأميركي.
وانتقد وزير الخارجية الأسبق مايك بومبيو، الذي شغل المنصب في ولاية ترامب الأولى، الاتفاق المطروح بشدة، قائلاً إنه يبدو مستوحى مباشرة من خطة ويندي شيرمان وروبرت مالي وبن رودس، الذين شاركوا في مفاوضات الاتفاق النووي، ومؤكداً أن صقور الجمهوريين يرفضون إعادة إنتاج سياسات أوباما التي منحت طهران نفوذاً واسعاً بالمنطقة.
وقال بومبيو إن جوهر الاتفاق الحالي هو دفع الأموال لرجال الحرس الثوري الإيراني لبناء برنامج أسلحة دمار شامل وترويع العالم، مضيفاً أن هذا التوجه لا يمت بصلة إلى مبدأ أميركا أولاً الذي رفعه ترامب، ومطالباً بفتح مضيق هرمز بالقوة ومنع إيران من الحصول على أي أموال وتعطيل قدراتها العسكرية بالكامل.
صراع الإدارة والبيت الأبيض حول جدوى الصفقات السياسية
واستدعت انتقادات بومبيو الحادة رداً فورياً وعنيفاً من ستيفن تشيونغ، أحد كبار مسؤولي البيت الأبيض، الذي قال عبر منصة إكس إن على بومبيو أن يغلق فمه الغبي ويترك العمل الحقيقي للمحترفين، مضيفاً أن وزير الخارجية الأسبق لا يملك أدنى فكرة عما يتحدث عنه، وليس مطلعاً على مجريات التفاوض السرية الحالية.
وذهب مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون أبعد من ذلك، رافضاً فكرة التفاوض مع طهران من أساسها، حيث قال لوكالة بلومبرغ الإخبارية إن التفاوض مع الإيرانيين مضيعة للأكسجين، معتبراً أن وقف إطلاق النار المؤقت أفاد طهران فقط، لأنه أتاح لها استئناف إنتاج الطائرات المسيرة واستعادة مخابئ أسلحة استراتيجية مدفونة.
ويرى محللون سياسيون أن التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يوفر متنفساً كبيراً للاقتصاد العالمي المضطرب، لكنه قد يكشف في الوقت ذاته أن الحرب التي شنها ترامب لم تحقق أهدافها المعلنة، وموضحين أن صقور الجمهوريين يرون في التراجع خطراً جسيماً يعيد رسم التوازنات الإقليمية لصالح المحور الإيراني وحلفائه بالشرق الأوسط.
وقال السفير دنيس روس، السياسي الأميركي المخضرم الذي عمل في إدارات سابقة، إن الاتفاق الناشئ بشأن فتح مضيق هرمز يقوم على رفع الحظر والسماح لجميع السفن بالمرور، مضيفاً أنه خلال الستين يوماً المقبلة ستجري مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني للحد منه لا لإنهائه، متوقعاً أن تمارس إيران ألعاباً مضللة بالمضيق.
كواليس الضغوط وشروط ترامب لإنهاء الحرب البحرية
وقال داني سيترينوفيتش، المحلل السياسي لدى المجلس الأطلسي، إن العودة إلى الحرب الشاملة كانت ستتسبب في أضرار اقتصادية عالمية هائلة، من دون وجود أي ضمانة حقيقية لاستسلام إيران، مشيراً إلى أن الرئيس ترامب اضطر للقبول ببعض شروط طهران لأن البدائل العسكرية والسياسية المطروحة أمامه كانت أسوأ بكثير وأكثر كلفة.
ودافع مسؤولون بارزون في البيت الأبيض عن مذكرة التفاهم المحتملة، مؤكدين أنها تتضمن التزاماً صارماً من إيران بعدم السعي مطلقاً إلى امتلاك أسلحة نووية، والتفاوض الفوري بشأن تعليق برنامج تخصيب اليورانيوم، والتخلص الكامل من مخزونها الحالي من اليورانيوم العالي التخصيب تحت إشراف وتفتيش دولي صارم.
وقال مسؤول أميركي رفيع للصحافيين، صباح الأحد، إننا سنرى إلى أي مدى ستكون إيران مستعدة حقاً للمضي قدماً بحسن نية، ولكن إذا كانت قادرة على تغيير مسارها وترغب في ذلك، فإن هذه المرحلة المقبلة ستفرض عليها اتخاذ قرارات حاسمة وصعبة بشأن طبيعة دورها ومستقبلها كدولة في المجتمع الدولي.
وأضاف المسؤول أن ترامب، إذا لُبيت مطالبه بشأن البرنامج النووي الإيراني، سيكون مستعداً لبذل جهد كبير لإعادة ضبط العلاقات مع طهران ومنحها فرصة تحقيق كامل إمكاناتها الاقتصادية الهائلة، مؤكداً أن الرئيس سيتمسك في المفاوضات بمطلبه القديم وهو تفكيك البرنامج النووي بالكامل وإزالة اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية.

















0 تعليق