أرى أن حقيقة المشكلة، تكمن فى رد الفعل السريع لكل محاولة واقعية لمناقشة جدل العلاقة بين المرأة والرجل، ودائمًا ما يرتكز رد الفعل بالسؤال الاستباقى المعتاد: لماذا تحميل الرجل المسئولية وحده؟! وكأن مجرد الإشارة إلى توجهات وتصرفات العقلية الذكورية المتخلفة والمتخلية هو اتهام للرجال جميعًا.. وفعليًا هو نقدًا موجهًا بالدرجة الأولى للمجتمع بموروثاته الثقافية والدينية والاجتماعية والدينية التى تشكلت تدريجيًا خلال سنوات طويلة بمشاركة كل المؤسسات المنوط بها صناعة الوعى المجتمعى بدون استثناء لترسيخها وتكريسها حفاظًا على مكتسبات العقلية الذكورية العادلة وغير العادلة. وهو ما كتبته تفصيلًا فى مقال فى 21 مايو الجارى بعنوان "قانون الأسرة الجديد.. ضد فقه العقلية الذكورية المتسلطة والمتخلية" والذى عقب عليه د. باسم عادل فى 23 مايو الجارى تحت عنوان "د. هند جاد وقانون الأسرة: هل يكفى تحميل الذكورية مسئولية الأزمة".
اتسم التعقيب بالهدوء والتوازن. ولكن ما أخشاه دائمًا فى الكتابة عن قضايا النوع الاجتماعى "الجندر" هو الوقوع دون قصد فى فخ المساواة الشكلية بين طرفان لا يقفان على أرضية واحدة من الأصل سواء فى المساواة أو التمكين وعدم التمييز.
المرأة المصرية لا تتساوى مع الرجل فى منظومة العلاقات الأسرية لأنها محملة مسبقًا بميراث ضخم من التوقعات الإلزامية التحقق، مثل: الصبر والاحتمال والتضحية والتغاضى والتنازل لاحتواء المشكلات وحدها حفاظًا على سلامة بيتها مهما كان الثمن حتى لو كان على حساب راحتها وكرامتها، وربما حياتها فى بعض الأحيان. وفى المقابل هناك قناعة لدى غالبية العائلات أن سلطة الرجل وسطوته داخل البيت هى حق مكتسب بالطبيعة، وأن دوره الأساسى يقاس بما ينفقه، وليس بالمشاركة العادلة فيما يخص أعباء المنزل وتربية الأطفال.
هنا يتحول الحديث عن التوازن والمشاركة باعتبارهما نوعًا من التجاهل لما يصيب الأسرة من اختلال فى موازين القوة الحقيقية.
صحيح أن الأزمة ليست فى الرجل فقط، ولهذا أطرح سؤالًا: لماذا هناك استنفار عام لتجفيف منابع مسئولية الرجل تحديدًا، بينما لا تحظى المرأة بنفس القدر، بل العكس تمامًا؟!
يا سادة، تقهر المرأة اقتصاديًا حينما تعمل فى المنزل لسنوات طويلة لكونه جهد غير معترف به، يتجاهله الغالبية ولا يروه. وحين تلجأ الأم التى تلجأ للمحكمة وتخوض تحديات الإجراءات القضائية لكى تثبت حقوق أطفالها فى النفقة والعلاج والتعليم. وحين تتهم المرأة التى تبحث عن حريتها وأمانها بالطلاق، أنها سبب انهيار الأسرة. بينما ينظر للرجل باعتباره الحمول الطيب الذى يتحمل الضغوط والأزمات، ودائمًا له أعذاره وأسبابه. وهو ما يؤكد أننا أمام معايير أخلاقية مزدوجة لا علاقة لها بالعدل والمساواة.
الخطر فى مفردات الخطاب السابق، والذى يدعو إلى رفض شيطنة الرجل مهما حدث، ما يترتب عليه من شيوع المشكلة ليصبح صاحب العقلية الذكورية طرف شريك، وليس هو المتهم.. وأساس المشكلة.
لا أطالب هنا بشيطنة الرجل، فالمرأة المصرية سواء كانت طفلة أو زوجة أو أم أو شريكة حياة ليست خارج سياق تلك العلاقات الأسرية. ولكن ما كتبته هو أهمية الاعتراف بأن السلطة داخل منظومة الأسرة لم تكن تاريخيًا عادلة بين المرأة والرجل، وهو ما تأثر به المشرع فى صياغته للكثير من قوانين الأحوال الشخصية، وما أصابها من خلل الانحياز المستمر لحقوق الرجل من خلال الأبواب المواربة للإجراءات التى تسمح بالتزوير والتدليس لسلب حقوق المرأة والأطفال.
يتسامح المجتمع الذكورى مع الرجل فى غضبه وعنفه وأنانيته لضغوط الحياة التى افترض أنه وحده الذى يواجهها. بينما لا يسمح للمرأة أن تعبر عن غضبها أو اعتراضها أو رفضها أو
تمردها على القهر والظلم الذى تتعرض له باستمرار.
نرفع سقف التوقعات المطلوب من المرأة تحقيقها واقعيًا، عليها أن تصبر وتتحمل وتراعى الظروف وعليها وحدها مسئولية استقرار الأسرة. ثم نسأل بكل بساطة بعد ذلك: لماذا نكتب عن العقلية الذكورية المتخلفة والمتخلية؟
لا أتفق مع تحويل النقاش والحوار إلى منطقة الصراع بين المرأة والرجل. ولكن مع الانتباه جيدًا إلى أن المرأة لم تخترع هذا الصراع، بل ورثته وتم اجبارها على أن تكون طرفًا فيه تحقيقًا للفكرة الفاسدة أن الرجل هو ولى أمرها فى جميع مراحل حياتها من ميلادها حتى رحيلها.
وجود قوانين جديدة للأسرة المصرية ليست معركة بين المرأة والرجل. هى معركة ضد الأفكار القديمة البالية التى رأت فى حقوق المرأة وتمكينها تهديدًا شخصيًا للرجل، وهو منطق لا يستقيم فيه وجود أسر حقيقية مستقرة وأمنة.
الملفت فى بعض الخطابات المعتدلة هو اعترافها بالمشكلة على المستوى النظرى، ورفض تشخيصها بدقة وحلها عمليًا. وهو ما جعل حوارات المساواة لا تأثير لها أو فاعلية.
نقطة ومن أول الصبر..
من يملك السلطة حسم القرار حينما تختلف المرأة مع الرجل الذى بدوره يسلب حقوقها ويسرقها؟ ومن يدفع الثمن المؤثر فى حالة انهاء أى علاقة أسرية؟
الاعتراف بوجود عقلية ذكورية لا يعنى أن المرأة من الملائكة وأن الرجال من الشياطين. وإنما يعنى أن المجتمع لا يزال يمنح الرجل سلطة أكبر، ثم يندهش حين تطالب المرأة بالعادلة والمساواة فى الحقوق والمسئوليات.
ينزعج العض من تعبير "العقلية الذكورية المتخلفة" ليس فقط لأنه يكشف خلل القوانين، بل يكشف بوضوح الامتيازات التى تم تكريسها تاريخيًا لدرجة أن مجرد نقدها.. يبدو للبعض خطرًا داهمًا.
















0 تعليق